يقظة المسلمين العلويين
هاني الخير
دمشق 27محرم 1417هـ
13 حزيران 1996م
مدخل – 1 –
نشر هذا البحث ــ لأول مرة ــ على حلقات متسلسلة في أعداد مجلة النهضة الصادرة في مدنية طرطوس السورية بين عامي / 1937 ــ 1938 / وكان المغفور له والدي قد تجاوز بسنوات العقد الثالث من عمره، حين أنجز كتابة هذا البحث الشائق، الذي استمد أفكاره الأساسية، من خلال مشاهداته الميدانية، ورصده العميق للواقع الحياتي والمعاشي والنفسي لهؤلاء الذين تحدث عنهم.
2
و مع احتجاب مجلة النهضة لصاحبها المرحوم الدكتور وجيه محي الدين، بالإضافة إلى تعاقب السنوات، أضحت بعض هذه الحلقات تتداول بين المهتمين على نطاق ضيق وبصورة مبتورة...
لكن الباحث المنصف الأستاذ هاشم عثمان تمكن من العثور على بعض هذه الحلقات، ونشرها مشكورا في كتابه الذي حمل اسم " العلويون بين الأسطورة والحقيقة " الصادر في بيروت عن مؤسسة الأعلمي للطباعة والنشر.
إلا أن ما نشره الأستاذ هاشم عثمان من صفحات لم يكن كافيا ولا يمثل رؤية المرحوم والدي وآنذاك ليقظة أبناء المذهب الجعفري خلال هذا القرن.
3
و بمصادفة سعيدة عثرت على كامل البحث بين أوراق المرحوم والدي، فوجدت من الأهمية نشره في كتاب مستقل، للحقيقة والتاريخ وتعميماً للفائدة وللمعرفة الصحيحة وحماية لتراث المرحوم والدي من الضياع والتلاشي في محيط الصمت.
وجاء النشر أيضا استجابة للطلبات المتكررة التي تصلنا من عارفي فضل والدي وريادته للدعوة النبيلة التي نذر نفسه لها وهي التقريب بين أبناء المذاهب الإسلامية وصولاً للصلاح و الإصلاح ووحدة الموقف ووحدة الصف.
و باختصار شديد فإن مؤلفات المرحوم والدي المطبوعة تلقي الضوء الساطع على حقيقة المذهب الجعفري وتضع هذا المذهب إلى جانب المذاهب الإسلامية الأخرى
والله من وراء القصد... ومنه نستمد العون
تمهيد
إن من يقابل بين حال المسلمين: العلويين قبل عشرين سنة فقط، وبين حالهم الآن يرى فرقا بيناً يستدعي الدهشة والتساؤل عن أسباب هذا التطور والعوامل التي أدت إليه، وعما يرى المسلمون: العلويون أنفسهم في هذا التطور، وما يأملونه من نتائجه الحسنة وما يحذرونه من عواقبه السيئة، وللوقوف على كل هذا لابد للباحث من أن يلم ولو قليلاً بتاريخهم الغابر ويدرس شيئا عن عقليتهم قبيل ظهور هذا الفرق وإبان ظهوره ويراقب بارق اليقظة في أدوار إشعاعه حتى اليوم.
من هم العلويون
النصيريون ــ كما كانوا يدعون من قبل ــ و العلويون ــ كما دعوا في عصر الاحتلال هم إحدى فرق الإسلام ــ رضي السفهاء المغرضون أم كرهوا، وأقروا ذلك أم نفوه ــ مسلمون إماميون وعرب أقحاح، قضت عليهم أسباب جمة، أهمها ضغط بعض الحكام الظالمين في عصور التاريخ الإسلامي، أن يتجمعوا في جبال هذه البلاد، منذ بضعة قرون ونيف ملتجئين من جور السياسة الخرقاء والتعصب الأعمى على أحراج البلاد ومعاقلها المانعة، وإلى التكتم في إقامة شعائرهم الإسلامية الخاصة والتساهل في التظاهر ببعض شعائر الأقوياء المسيطرين يومئذ، حفظاً لكيانهم الطائفي وحقنا لدمائهم وعلى توالي الأيام أصبح التكتم شبه غريزة فيهم، ودخل ذلك التظاهر ببعض الشعائر الأجنبية عن الإسلام في عداد عاداتهم، لا يستنكره جمهورهم ولا تقره خاصتهم وهذا ما جعل الظنون تحوم حول معتقداتهم وذهاب الآراء في التخمين والتقول كل مذهب.
ولا نعلم بالتدقيق تاريخ تظاهرهم بالعادات الغربية عن الإسلام ولكننا نرجح أن بعضه كان على عهد الصليبيين وبعدهم نستند في ترجيحنا هذا إلى أن السلف لم يكونوا يعترفون بهذه العادات كشعائر مذهبية، بدلالة أنها لم ترد في أشعارهم ولا في آثارهم التي بين أيدينا ولأنه في بعض نواحي البلاد لا أثر البتة لهذه العادات فهناك وسط صافيتا وساحلها ليس فيهما من يحسب حساباً للميلادية أو القوزلّي أي يوم أول السنة الميلادية على الحساب الشرقي وهناك الجهة الجنوبية من البلاد أي أقضية طرطوس صافيتا تلكلخ فإن أهاليها لا يعرفون متى تكون الزهورية أي 15 نيسان شرقي التي يتجمهر فيها أهل الشمال قضائي صهيون واللاذقية في حين أن الساكنين وسط البلاد: أقضية جبلة بانياس مصياف يقيمون موسم الرابع من نيسان شرقي في مواقع عديدة بقصد البيع والشراء هذا الاختلاف البين كما يرى القارئ الكريم ــ وعدم ذكر السلف لهذه العادات يجعلنا نجزم بأنها دخيلة وحديثة العهد.
وأبين ما عرف به العلويون تخصصهم للاشتغال الدائم، منذ أقدم أيامهم حتى اليوم بعلم التوحيد: أي معرفة الله تعالى بالبراهين العقلية المستندة إلى الشواهد النقلية من نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف وروايات الأئمة من آل الرسول عليه وعليهم أفضل الصلة والسلام فإن تبويب هذا العلم والتوسع فيه وتعليمه إلى أتقياء الطلبة المجدين قد رافق خاصتهم منذ افتراقهم عن سواهم من الفرق الإسلامية حتى عصرنا هذا ومما لا يترك مجالا للتردد في صحة هذا القول كثرة عندهم من المؤلفات القيمة التي يرجع تاريخ أسبقها إلى صدر الإسلام ولم ينقطع حتى اليوم ظهورها وجميعها تدور تقريبا حول المسائل الآتي بيانها:
· إثبات وجود الخالق سبحانه بالمعقول
· إثبات النبوة عن طريق البرهان والدليل
· إثبات الإمامة بالحجج العقلية و النقلية
· اللفظ والمعنى وعلاقتهما بصفات الخالق
· وجوب صفات الكمال للباري تعالى
· تنزيهه عن صفات المحدثات
· أصل الشر
· آداب العبادات و الرياضة الروحية
· المعاد
· حدوث الكون وفناؤه..الخ
والواقف على هذه الكتب الخطية القيمة ــ رغم تشويه جهلة النساخ عبارتها ــ يدرك مدى اهتمام العلويين بالتوحيد الذي اشتقوا منه اسماً لهم منذ نشوئهم فهم يشيرون دائماً في هذه الكتب إلى جماعتهم بالفرقة الموحدة.
ومن أظهر ما عرف به العلويون عنايتهم بالفلسفة الروحية العالمية ومقابلتها بالأديان الإلهية ، وتوفيق ما يمكن توفيقه، ورد ما يختلف إلى البدع و الهرطقات التي كان يلفقها معارضو الدين والفلسفة الصحيحة، ويستنتجون من كل ذلك وحدة الأديان ووحدة غاياتها التي جاء الإسلام الحنيف بالبرهان عليها ودعمها بالحجج الدامغة.
هذه الظاهرة الفكرية التي يمتاز بها العلويون، هي ما جعلت بعض الجهلاء وذوي الغايات الدنيوية يلصقون بهذه الطائفة تهمات الوثنية والكفر أو ينسبونهم إلى أديان أخرى غير الإسلام.
وبعد ما تقدم فإننا نعترف بأن عصر الانحطاط الذي يتلو البحث فيه هذه الأسطر قد شوه مظاهر هذه المؤلفات القيمة بالنساخة والتعليق حيث حذف منها وأضيف إليها، وعلى الأغلب من قبيل التفسير في مسائل الفلسفة العقلية والقضايا المنطقية ، الصعب فهمها إلا على المتخصصين لذلك من رجالات المذهب وهذا التشويه هو ما يجعل نشر تلك الكتب متعذراً جدا فعسى فطاحل علمائنا الأفذاذ يهتمون بإصلاح ما فيها من غموض أو خروج عن الجادة سببهما الرمز بالمعميات والتلميح إلى الفكرة المستغربة بدلاً من التصريح بها تلك الخطة التي كانت شائعة في عصور الحذر والخوف اللذين كانا ملازمين لأكثر المشتغلين بالعلوم العقلية أو الفروق المذهبية.
ولئن أحجم علماؤنا عن هذا الواجب خوفاً من سهام النقد أو من تقولات بعض الجهلاء وهربا من الظهور والشهرة كما هي عبادته، فإن النشء المتعلم تعليماً صحيحاً والدارس دراسات عالية صحيحة لا زائفة سيجنح إلى تأدية هذا الواجب الشريف فيؤدي بذلك ما في عنقه من أمانه واجبة التأدية.
أسباب الجمود والانحطاط
يصعب جداً على الباحث في تاريخ العلويين أن يستند من كتبهم على التحديدات الزمنية ذلك لأنه لم يصل إلينا من آثار علمائهم شيء يبحث في غير الدين، اللهم إذا استثنينا بضع كتب في ترجمة الأولياء الصالحين من العلماء المدققين ترجمة دينية تشير إلى ملخص اعتقادهم وبعض أشعارهم الدينية ويندر أن تذكر هذه الترجمات سنتي الولادة أو الوفاة فلا تكاد تخرج عما استثنيناها منه. لكن مع كل هذا فإن التدقيق في دراسة أساليب التعبير ومقابلة التراجم الجمة والتعمق والتقصي كل هذا يبرهن على أن بدء الجمود كان في النصف الأول من القرن الثامن للهجرة، حيث تكاد أعمال المؤلفين تقتصر في ذلك الحين وما يليه على إعادة وتكرير ما كتبه سابقوهم من العلماء دون أن يضيفوا شيئا يذكر لا من قبل التوضيح ولا من قبل حسن التبويب وسهولة المأخذ، وهذا يدل على قلة الإطلاع على شتى فروع العلوم وأنواعها، ومن المعلوم أن جمود الخاصة يسبب انحطاط الجمهور وها نحن اليوم نراقب نتائج ذلك الانحطاط بمرارة أسف مؤلمة إن أسباب الجمود والانحطاط يمكن ترتيبها بحسب أهميتها كما يلي:
· توالي الاعتداءات على هذه الطائفة منذ ثلاثة عشر قرنا حتى اليوم.اعتداءات كان يستهلك بعضها كل ما تملك فتنهب مواشيها وأموالها، وتحرق بيوتها بمافيها من أثاث ومقتنيات ويقتل علماؤها ومشاهيرها الأمر الذي أضاع آثارها الفكرية القديمة إلا ما حفظته بحروفه وألفاظه صدور الحفظة من رجالها أو ما وعاه علماؤها ومن هذا العلم ــ إن بقي حتى اليوم هو قليل من كثير.
· الانزواء في هذه الجبال، والعيش الفطري، بحكم هذه المناطق الجبلية القاحلة، وبحكم ما خلفته بعقلية العلويين تلك التعديات الجائحة المتتابعة، منت فضيل الانصراف الكلي إلى التعبد وعدم الاشتغال بشيء آخر مثل تشييد جميل البنيان أو جمع الثروات الطائلة أو اقتناء المكتبات الفخمة الجامعة إذ ما الفائدة من كل هذا وهو لا يلبث أن يكون نهب أيدي الأقوياء المعتدين وطعم نيرانهم وضحية تعصبهم وانتقاماتهم الجنونية.
· وعلى توالي الأيام استحالت هذه الفكرة السالفة إلى القول بكراهية طلب أي فرع كان من العلوم غير علم معرفة الله، وإلا ما لا يستغنى عنه في أشد مرافق الحياة ضرورة ورسخ هذا القول بمرور الزمن، وتضخم في عقلية الجمهور حتى جاء يوم يستنكر فيه العامة عمل من يدرس قواعد اللغة وأصولها فضلا عن العلوم العصرية الحديثة.
· مبالغة علمائهم في الزهد وهربهم من الشهرة وتعمدهم عيشة الخمول والتقشف حتى كادوا أن يكونوا أشبه بفقراء الهنود منهم بعلماء المسلمين
يقول نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا"
و يقول لنفر من صحابته كانوا قد اتفقوا على نبذ الملاذ الدنيوية " إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وافطروا وقوموا وناموا فإني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وآكل اللحم والدسم وآتي النساء."
و يقول أول أئمتهم عليه السلام لابنه محمد بن الحنفية: " يا بني إني أخاف عليك الفقر فاستعذ بالله منه فإن الفقر منقصة للدين مدهشة للعقل داعيةٌ للمقت."
و يقول سادس أئمتهم عليه السلام " كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً "
لا نشير بإيرادنا هذه الأحاديث هنا إلى أن في الانقطاع إلى الله وفي الزهد مغمز كلا وإنما نقصد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأئمة الأطهار عليهم السلام كانوا مستكملي شروط الفضيلة المؤهلة للنبوة والإمامة فكما كانوا رجال زهد وعبادة كانوا رجال علم وكياسة فليس من شروط أتباعهم الاقتداء بهم في شأن من شؤون سنتهم وإغفال شؤون (وربما أفردنا لهذا مقالا خاصا نوفيه فيه حقه من البحث ).
· ومن الأسباب الحديثة العهد في العمل على انحطاط العلويين اعتبارهم منذ زمن قريب المشيخة أي الرئاسة الدينية وراثة، وإغداقهم الهبات باسم الزكاة على الأكثر إن لم نقل على الكل ــ ممن ينتمي إليها ولو بشارة فقط والحكم على الكل بما يبدو من البعض مما لا يوافق العادات المأثورة وإنزال سوادهم الخرافات منزلة الحقائق المسلم بها الأمر الذي فسح لكثير من الممخرقين أن يلعبوا بالعقول الساذجة ما شاءت لهم الغايات والجهل.
بشائر اليقظة الأولى
و في العقود الأولى من القرن الهجري الثالث عشر، بدت في البلاد بشائر يقظة منعشة، برهنت على أن النار لم تفارق الرماد، وعلى أن الشعوب تهجع ثم تهب من سباتها. وها نحن نستعرض آثار هذه اليقظة على الترتيب التالي:
في الجنوب
إن الولي الكبير المغفور له الشيخ عبد العال المعروف بالحاج معلا ( الجد الأكبر لعائلة بيت الحاج ) قصد سنة / 1254 هـ / البيت الحرام لأداء فريضة الحج المقدسة، وفي عودته مرّ بمصر و استحصل على إذن ببناء مسجد في قريته ـ إذ كانت سورية يومئذٍ في حكم محمد علي باشا ـ وابتنى المرحوم الحاج معلا فور وصوله المسجد العامر حتى اليوم في قرية ( بيت الحاج من أعمال طرطوس ) وقام بالإمامة فيه مدة عشرين سنة، لم يفتر أثناءها عن بث روح اليقظة ومحاربة الأمية بين سواد الشعب. و خلف المرحوم الحاج أبناؤه في نشر العلم والإرشاد، على رأسهم خليفته المرحوم الشيخ عبد اللطيف الحاج، الذي لا يزال الناس حتى اليوم يتناقلون الحديث عن حسن خطابته في الجمعة والأعياد. وكان كأبيه من الحفظة للقرآن الكريم.
وفي ذلك العهد نفسه اشتهر في علم الفلك الولي الكبير المغفور له الشيخ يوسف ميّ ـ الجد الأكبر لعائلة بيت الحامد، رأس الخشوفة، صافيتا ـ وأتقن عنه هذا الفن خليفته الولي العظيم الواسع الرحمة الشيخ محمد يوسف المشهور كأبيه في الزهد والعبادة والتفقه.
وانتهى علم الفلك بعده إلى سميه الشيخ محمد يوسف ـ القاطن في مزرعة بيت بلول، صافيتا ـ وقد شاهدتُ بنفسي عنده كتباً مخطوطة قيمة يرجع تاريخها إلى عهد العباسيين المزدهر، كما شاهدتُ عنده آلات يونانية الطراز لرصد الكواكب، منها اسطرلاب دقيق الصنع، يضبط الشيخ المذكور بواسطته حصول الكسوف والخسوف بدقة غريبة.
وخلفت تلك اليقظة الطيبة الجامع الجميل في ( بيت الشيخ يونس ـ صافيتا ـ ) الذي شرع في ابتنائه كل من الوليين العظيمين المغفور لهما الشيخ غانم ياسين والشيخ عبد الحميد أفندي ـ الذي نسب إليه آنئذ أعمال سياسية فنفي إلى طرابزون وتزوج منها وعاد مكرماًـ ثم أتم الجامع المذكور الوليان الكبيران المرحوم الشيخ ياسين يونس والشيخ سليم الغانم سنة / 1286 هـ /. وقد قام المرحوم الشيخ ياسين الآنف الذكر بإمامة الجامع طيلة حياته وخلفه ولده الولي العلاّمة الشيخ محمد ياسين وسيأتي ذكره.
ومن آثار تلك اليقظة مسجد الخضر في ( تلة الطليعي ـ صافيتا ) وآخر في ( ضهر بشير ـ صافيتا ) وفي كل من هذه المساجد لا تزال حتى اليوم تقام الصلوات في الأوقات اليومية وفي الأعياد و الجمعات.
وفي ذلك العصر نفسه اشتهر بالفقه وعلوم اللغة العربية المرحوم الشيخ علي القاضي المعروف بالشيخ علي بدرة ( في صهيون ـ صافيتا ) وقد نُسب إلى أمه لأنه ربي يتيما عند الشيخ يوسف مي. و استقدمه الشيخ يونس ياسين إلى قرية بيت الشيخ يونس حيث نصبه قاضياً ومعلماً ولهذا عُرف هو وعائلته من بعده ببيت القاضي. و عنه أخذ اللغة نفر من أبناء العائلات الشهيرة نذكر منهم هنا اثنين فقط:
أولهماـ المرحوم الشيخ محمد ياسين الفقيه العابد حفظ القرآن الكريم في العقد الرابع من عمره، ودرس اللغة التركية بعد ذلك، وكان من ذوي الغيرة الفائقة على نشر العلم وإقامة السنة الشريفة، وله في هذا حوادث مشهورة، كما له شعر حسن في التوسل ومدح النبي الكريم وآل البيت الطاهرين وأولياء العصر.
وثانيهماـ المرحوم الشيخ عبد الكريم الحاج، تولى التعليم الحكومي في مدرسة بحنين على عهد متصرف اللاذقية المرحوم ضيا باشا، والقضاء المذهبي في طرطوس على عهد الانتداب، وله شعر عامر في مدح النبي الكريم وآل البيت الأطهار وأولياء عصره.
وكان فقيها عابدا وعالما غيوراً أخذ عنه الأديب الفاضل الشيخ محمد حامد قاضي المحكمة المذهبية في مصياف.
وفي ذلك العهد نبغ في علم الفقه وخاصة في فرع الأرث الولي الكبير الزاهد العلامة الشيخ مصطفى مرهج المعروف بالسيد الجد الأكبر لعائلة بيت السيد ــ بعمرا ــ صافيتا وعنه أخذ ابنه الولي الزاهد الشيخ إبراهيم السيد وقد نبغ كأبيه، ولهما في الزهد أحاديث تجدد عهد ابراهيم ابن أدهم الولي العظيم.
وانتهى نبوغ هذه العائلة الكريمة في الفقه إلى الشيخ محمد ابراهيم السيد كاتب المحكمة المذهبية في صافيتا سابقا وله جولات في تقسيم الارث تشهد على سعة اطلاع وذكاء خارق وممارسة طويلة، وكان في عصره مرجعا للجميع في تقسيم الارث.
و أبين ما فعلته تلك اليقظة الحميدة اتفاق أفاضل البلاد يومئذ على محاربة التفرقة العشائرية وفي طليعتهم الولي المغفور له الشيخ عباس جابر الجد الأكبر لبيت العباس الطليعي صافيتا والولي المغفور له الشيخ ابراهيم مرهج الجد الأكبر لآل مرهج ( بيت ناعسة صافيتا) والولي المرحوم الشيخ عمران الزاوي الجد الأكبر لآل الزاوي (ضهر بشير صافيتا) وأفاضل العائلات السالفة الذكر آل الحاج، وآل ياسين وآل يوسف مي والمغفور له الشيخ حسين أحمد الجد الأكبر لآل محي الدين (جورة الجواميس ــ صافيتا) وبينه وبين الشيخ المغفور له خضر الأحمد الجد الأكبر لآل معروف مراسلات علمية فريدة وغيره وغيره من مشائخ العصر وجهادهم معاً في جميع الكلمة على البر والتقوى وجهودهم المتواصلة في نشر المعرفة والأخلاق الطيبة، وتشددهم في إقامة الشريعة الغراء رحمهم الله أجمعين.
ومن الآثار البارزة التي خلفتها تلك اليقظة، الولي المغفور له الشيخ ابراهيم عبد اللطيف (بيت ناعسة صافيتا) وكان أديباً كبيراً وعالماً فقيهاً وشاعراً مجيداً وله كتابات في (مجلة العرفان ــ صيدا) وترجمة في الجزء السابع من المجلد التاسع في المجلة المذكورة ودرس عليه نقر أشهرهم الأديب الفاضل الشيخ يوسف ابراهيم اليونس قاضي المحكمة المذهبية صافيتا والولي الفاضل الشيخ محمد محمود جابر (تلة الطليعي ــ صافيتا) وهو عالم فقيه وأديب شاعر وأستاذ كبير درس عليه الشيخ علي عباس (بجوزي صافيتا) والشيخ يونس يوسف (تلة الطليعي) صافيتا هؤلاء كانوا يتمتعون بثقة طيبة تدل على فضلهم وأدبهم فالشيخ يونس علّم فنون اللغة لنفر من أبناء العائلات العلوية في كيلكيا والشيخ علي عباس باشر التعليم الخصوصي عشرين سنة في قريته (بجوزي صافيتا) وممن درس عليه هناك الأديب الكبير عبد الكريم الخير والشيخ حسين حرفوش اللذان سيأتي ذكرهما في بحثنا القادم عن يقظة الشمال.
ثم افتتح في أواخر الحرب الكونية مدرسة كبرى في قرية العنازة بانياس جمعت أكثر من مائة وعشرين طالبا وستة معلمين كلهم علويون وكاتب هذه الأسطر يفتخر بأنه درس أصول الدين واللغة فيها على هذا الأستاذ المبرز بسهولة الأسلوب وقصر مدة التعليم ولأسباب قاهرة لم تعمر ــ مع الأسف ــ تلك المدرسة إلا عامين فقط.
والولي المرحوم الشيخ عبد الكريم محمد (مصطبة حمين ــ صافيتا) وكان علامة محدثاً وفقيهاً كبيراً وشاعراً مجيداً ويكفي شاهداً على فضله مجموعة مراثيه التي اشترك في تحبير قصائدها عارفو فضله وأدبه.[1]
ولو تقصينا ذكر المشاهير ممن أنجبت تلك اليقظة المباركة لاحتجنا إلى كتاب خاص، ولكننا نختتم موجزين بذكر علم من أعلامها وهو الولي المغفور له الشيخ علي سليمان (المريقب ــ طرطوس) صاحب المسجد في (الشيخ بدر طرطوس) والد البطل الخالد الشيخ صالح العلي المشهور وهو كأبيه عالم فقيه غيور على معالم الشريعة السمحاء.
في الشمال
لم تكن بوادر بشائر اليقظة الأولى ظاهرة في الشمال مثلها في الجنوب، وذلك لأسباب اجتماعية أهمها على ما أرى أن القسم الجنوبي من البلاد كان متعرضا أكثر من القسم الشمالي للاحتكاك مع البلدان المجاورة ومع الحكومة يومئذ ولهذا التعرض سبب هو أن مركز الحكومة في قضاء صافيتا كان في الدريكيش قلب البلاد الجنوبية، وسكان هذه القصبة هم مسلمون علويون أي من نفس الأكثرية الساحقة في سكان البلاد فكان ابن قرى صافيتا ــ زعيما كان أو فلاحاً لا يجازف بكرامته الشخصية إذا حضر إلى مركز الحكومة.
أما القسم الشمالي فقد كاد أن يكون فيما مضى بشبه عزلة تامة عن البلدان المجاورة وعن الحكومة لأن مراكز السلطة فيه كلها في المدن الساحلية ماعدا مركز (صهيون ــ بابنا) لكن سكانه مثل سكان بقية المراكز الساحلية مسلمون سنيون والعداوة كما لا يخفى كانت على أشدها بين الأخوين المسلمين العلوي و السني فكان ابن القرية عندما تضطره المصالح إلى زيارة مراكز الحكومة يعرض كرامته الشخصية والمذهبية إلى الهوان بأيدي الجهلاء من إخوانه أبناء المدينة وهكذا كان شأن ابن المدينة في القرية والحكومة في ذلك العهد كانت حكومة إرهاق موظفوها كادوا أن يكونوا كلهم أنانيين ونحمد الله على أن ذلك العهد قد أمحي الآن فالحكومة اليوم هي منبثقة عن الأمة ساهرة على الإصلاح والمساواة والأخوان المتباغضان بالأمس بدأت معاهد العلم ومحن الزمان منذ أعوام تؤلف بين قلوبهم وترشدهم إلى المصلحة المشتركة بحكم الدين و اللغة والوطن.
وقبل أن نبتعد كثيرا نعود إلى الموضوع فنقرر قضية اجتماعية، هي أنه من الثابت أن اختلاط البشر واحتكاكهم يسبب رقي الهيئة الاجتماعية لما يضطر إليه الفرد من بذل الجهود للمحافظة على كرامته والظهور بالمظهر اللائق المشرف، كما أنه من الثابت أن التقاطع أو حياة العزلة تسبب نشوء فروق ومميزات بين أبناء الأمة الواحدة المتقاطعة وعلى التوالي يسبب ذل