بسم الله تعالى وبحمده

دمشق في 26 صفر سنة 1396

الموافق 27 شباط سنة 1976

من الشيخ عبد الرحمن الخير في دمشق

إلى الدكتور شاكر مصطفى في الكويت

 

تحية إسلامية عربية تلقيت رسالتك إلي المؤرخة في17/1/1976  بعد قرابة شهر من تاريخه.

وها أنا أحاول جاداً، بإخلاص ومحبة، تلبية رغبتك فيها.

وأرجو أن تثمر محاولتي معرفة صادقة وشعوراً قلبياً ينتفع بهما من يطلع على هذه المحاولة المتواضعة والخالصة لوجه الله والدين والوطن والمواطنين.

وقد تعمدت جعل الإجابة في أقسام خمسة: أولها: ما تقرأه في هذه المقدمة من حديث الأخ إلى أخيه ورد التحية بمثلها أو بأحسن منها.

والثاني: ما تجده في الصحائف التالية بعنوان: الجواب على الأسئلة بإيجاز.

والثالث: ما يأتي بعده بعنوان: تفصيل واستطراد.

والرابع: وثائق مرفقة للإطلاع.

والخامس: ملحق بالمراجع.

وقد جاء القسم الثالث ــ كما سترى ــ تفصيلاً وعرضاً لاستطرادات مختلفة أوجزتها ما أمكن. ومع هذا فقد جاءت مسهبة في عرض أشباه للمعلومات التي تتساءل عنها في رسالتك إلي. وأراها جميعها لا تثبت أمام شمس الحقيقة، لأنها بمثابة ثلج تراكم بواسطة أنواء مختلفة، سرعان ما يذوب تحت أشعة النور الساطع. {فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} لري بعض الأراضي العطشى، أو لنقل: لمد النفوس المتلهفة لكشف الركام من الأوهام، والمتطوعة لهذه الغاية النافعة.

وكل ما أردت، من فقرات العرض المتتابعة بإسهاب، هو أن أحقق الكثير من رغبتك في المعرفة، مع زيادة المقارنة بأمثال ما تسأل عنه وبأشباهه من تراث الإنسان المسلم العربي، الذي انصرف، في ظروف معينة قاسية وتحت ضغوط متنوعة جائرة، عن البلاغ النافع في الرسالة الخالدة: {كتاب ربه الكريم والحكمة النبوية الهادية}، انصرف عن ذلك البلاغ الأسمى إلى الغرق في استنتاجات وتفسيرات واقتباسات وأهواء ألهته عن عظمة الرسالة وعن الانتفاع بها، وجعلته يجتر ويجتر، ويحطب بليل، دون أن يهضم ما يقمشه. فذل بعد عزته، وأضاع نفسه ورسالته ومجده بين ركام من ظلمات الأهواء والخلاف والعداء.

إنني يا أخي أحترم "طالب العلم" وأشجعه، وأكبر فيه الصبر على المعاناة الصعبة في طلبه. ولكنني، قبل كل ذلك ومعه وبعده، أجل العلم عن أن يكون للعبث والضياع، أو لمجرد الشهرة وحب الظهور، أو للوصول بسببه إلى التزعم والتسلط، أو للغلبة في الجدال والمراء، أو للتفريق بين مجتمعين على الجهاد، أو لإحداث التخاذل بين متعاونين لنصرة حق وجلب نفع ودفع ضرر.

فالعلم النافع ــ باعتقادي ــ هو ما يصعد طموح الإنسان إلى مستوى الحياة الاجتماعية الحضارية الواعية ذاتها، ويجعله يتشبث دوماً بالعمل الدؤوب لتحقيق وجود أفضل لأمته خاصة وللإنسانية عامة في جميع مرافق ومراحل الحياة المتتابعة والمتجددة دائماً.

أشكرك يا أخي وأشكر الأستاذ عدنان عبد الله إذ اعتبرتماني خليقاً بالإجابة عن معميات هذا الموضوع الشائك، الكثير المزالق والقليل الجدوى، وخاصة في هذه المرحلة الخطيرة من حياتنا التي يكرسها المخلصون منا للتغلب على أسباب الضعف والتخاذل والتمزق السياسي .

وبالوقت ذاته لا أكتمك عتبي وتألمي عند قراءتي قولك عن غايتك من توجيه الأسئلة: ( علماً بأنني لا أطلبها إلا لغرض علمي بحت وإن شئت قلت إنه تاريخياً بحت لا علاقة له بالتقويم الديني ولا بالمعنى السياسي فلا هذا يهمني ولا ذاك).

الدكتور شاكر مصطفى المحاضر الجامعي في مادة التاريخ، وأحد واضعي دستور حركة التحرير العربية على عهد أديب الشيشكلي، يقرر أن أسئلته المتشعبة المتعددة عن عقيدة ( جماعة واسعة من أبناء قومه ) لا علاقة لها بالتقويم الديني ولا بالمعنى السياسي على الإطلاق وأن الأمرين معاً لا يهمانه!!!

فمتى كان الغرض العلمي أو التاريخي لا علاقة له بالمعنى السياسي ولا بالتقويم الديني؟!! وما غاية العلم بالعقائد وبالتاريخ إذاً وبم يتعلقان مجتمعين معاً أو منفردين؟!!

إنني أكبرك يا أخي عن أن تكون تعني ما تقوله في هذه العبارة، و أعذرك وأعتذر إليك و إلى نفسي لتصديق زعمك وتواضعك، ولاعتباري نفسي وكأنني بالفعل أتحدث إلى (طالب علم) لا إلى أستاذ جامعي .

ولكن ..ولكن ..من يدري ؟!! فلعلك حكمت مسبقا بأن جوابي عن أسئلتك هذه سيكون ضرورياً لمن تراود ذهنه مثل هذه الأسئلة ذاتها عن أي لون من ألوان التصوف (العربي ــ الإسلامي). أو على الأقل، لعل هذا ما بدا لي من غايتك في توجيه الأسئلة.

إنني يا أخي لا أعتمد المغالبات الكلامية ولا التفوق الجدلي، وإنما أسأل الله دوماً أن يحدث بالمعرفة الصادقة الحالة الأقوم في نفوس أبناء أمتنا خاصة وأبناء الإنسانية عامة، لدى كل عمل يقومون به تعليماً وتعلماً وتأليفاً وألفة.أسأله تعالى هذا تأسياً بقوله جل جلاله: {إن هذا القرءان يهدي للتي هي أقوم}.

وعلى جميع الأحوال فإنني أكن المحبة والتقدير لاجتهاد أهل العلم أساتذةً وطلاباً، ماداموا قد أفرغوا جهدهم المستطاع في التحري عن الحقيقة النافعة، وفي إعلانها لطلبة العلم الراغبين فيها ولجماهير المثقفين زيادةً في حصيلتهم من المعرفة وتنويراً لهم في نواح قد لا يكون بوسعهم الكشف عن مغاليقها.

 

 

 

 

القسم الثاني: الجواب على الأسئلة بإيجاز:

 

1- نعم إن (الجماعة العلوية اليوم) هي التي كانت تسمى ( النصيرية ) سابقاً.

وهي من صلب المسلمين (الشيعة) التي كان يطلق عليها لقب الرافضة أو الأرفاض الذين عناهم الشافعي في أقواله المشهورة ومنها:

( إن كان حب الوصي رفضاً                      فإنني أرفض العباد )

ومنها:

( إن كان رفضاً حب آل محمد                     فليشهد الثقلان أني رافضي )

ومنها:

( إذا نحن فضلنا علياً فإننا                         روافض بالتفضيل عند ذوي الجهل )

( وفضل أبي بكر إذا ما ذكرته                     رميت بنصبٍ عند ذكراي للفضل )

( فلا زلت ذا رفض ونصب كلاهما                أدين به حتى أوسد في الرمل )

أنظر مناقب الشافعي للرازي ص : (51-52)

وهذه التسميات أو الألقاب المتعددة لم يسموا هم أنفسهم جماعتهم بها، بل أطلقها عليهم غيرهم بدافع التناحر السياسي – المذهبي – القبلي، في الماضي البعيد والقريب،     و بدافع الاعتماد على ذلك التناحر في الماضي الأقرب توصلاً للاستمرار في تجزئة البلاد وسكانها على عهد الأتراك العثمانيين والفرنسيين.وسيظل الاعتماد على هذه الألقاب قائماً لدى الحاقدين والاستغلاليين لمحاولة إبقاء التمزق بين صفوف الأمة واحتكار فئة من المواطنين حقوق فئات أخرى في الحياة الكريمة، أو في المشاركة في الحياة الحرة الكريمة، أقول: سيظل بعض الجهلة والحاقدين يعتمد التنابز بهذه الألقاب المفرقة إلى أن يعم الوعي الديني الاجتماعي جماهير أمتنا. وما ذلك على الله بعزيز، ولا على جهود المخلصين .

وتسمية فرنسا المنتدبة مذهباً ( سنياً ) لفئة من المسلمين ومذهباً ( علوياً ) لفئة أخرى من المسلمين لا يعني وجود مذهبين بهذين الاسمين إلا في أذان الجهال والاستغلاليين. وأعيذك أن تكون منهم وأنت من أنت علماً وإخلاصاً.

2- السبب في لقب ( النصيرية ) الذي عم الجبل سابقاً في كتب التاريخ والجغرافيا مختلف فيه كثيراً. فبعضهم يقول : إنه نسبة لاسم أحد القادة الفاتحين أو لجماعة من الفاتحين جاءت نصيرة لمن سبقها من العشائر العربية المسلمة التي تم فتح البلاد بجهادها.

وبعضهم يذكر أن نسبة ( للأنصار ) الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) فهاجر إليهم ونصروه .وكان منهم من فتحوا الجبال المحكي عنها. ولعل هذا هو الأرجح، استناداً إلى كثرة القبور القديمة للأولياء بينهم المعروفين باسم ( الأنصاري ).

وبعضهم يزعم أن السبب هو النسبة إلى محمد بن نصير المعروف بأبي شعيب الذي ذكرت كتب الفرق والرجال عنه أقوالاً وأحوالاً لا يستغرب افتراؤها في ذلك العصر، عصر التناحر والجرح والافتراء كما تثبت كتب الرجال والتاريخ وكتب الفرق، والأمثلة والشواهد التي ذكرتها لك منها.

وجميع هذه الأقوال لا تستند إلى وثائق علمية تاريخية يمكن الاعتماد عليها والجزم بصحتها.

أما سؤالك عن ( علاقة الجماعة العلوية ) بالسلسلة التي تذكرها، فإذا كان لها نصيب من الصحة، فلا تعدو أن تكون علاقة صوفية لا علاقة دينية عقائدية. ومن الواضح أن التصوف ليس عقيدة دينية متميزة عن الدين الإسلامي، وإنما هو مجرد نظرات شخصية من خلال الإسلام إلى الوجود، وعلاقة الإنسان الصوفي به عن طريق رياضات روحية أو بدنية أو كليهما معاً. وتلك النظرات تختلف بين طريقة صوفية وأخرى كما بين صوفي وآخر من أبناء الدين الواحد، والمذهب الواحد، والطريقة الصوفية الواحدة. ولهذا تشعبت الطريقة الصوفية الواحدة لدى المسلمين في كل بلد إلى فروع وشعب متعددة تبعاً لأفراد اختلفوا في نوع السلوك العملي أو الذكر القولي. وهذا واضح كل الوضوح في جميع الطرق الصوفية لدى المسلمين كافة.

        ولم أعثر خلال تحرياتي على كتاب يعتبر مصدراً موثوقاً للتصوف لدى الجماعة الجعفرية المحكي عنها لأعتمده في عزوها إلى طريقة تصوف خاصة، ما عدا الديوان الشعري موضوع الدراسة التي نشرها الدكتور أسعد علي بعنوان ( معرفة الله والمكزون السنجاري ) وكان لي حظ المشاركة الجانبية بدراسته. وقد سبق لأكثر من واحد من علمائنا أن أبدي شكاً علمياً في بعض ما ورد فيه، وقرر أنه ليس من إنتاجه، بل هو منسوب إليه نسبة باطلة. كما إن فيه شطحات صوفية، وأقوالاً سياسية عدائية تركت جانباً، مثله في هذا مثل أكثر الدواوين الشعرية وكتب التصوف والجدال في ذلك العصر.

3- لا علاقة البتة للمسلمين العلويين بكتاب الهفت اللاشريف ولا برسالة فطرة المنصان المنشورة معه لأغراض سياسية لا علمية ولا أعرف جماعة لا أفراد منهم يؤمنون بهما أو يتبنونهما أو يثقون بما ورد فيهما من خلط وأباطيل لا في الماضي ولا في الحاضر والمسؤول عنهما هو من نشرهما والجو السياسي الدافع لنشرهما المرة بعد المرة مثل الحملة المسعورة ضد القوم  المفترى عليهم قبل وبعد نشرهما وعلاقة كل من الناشرين بالمصادر الخارجية التي دفعتهما إلى ذلك معروفة ومشهورة وعدم نشرهما لأسوا منهما مما ينسب إلى جماعتهما الإسماعيلية برهان دامغ للغاية المشبوهة.

4- نعم يوجد أفراد قلائل من المسلمين العلويين يؤمنون بالباطن وبالتأويل كما يوجد أمثالهم من العلماء المسلمين السنيين من المتصوفين الذين يقولون بالباطن وبالتأويل وبالأسرار الدينية والأدلة المنقولة من مصادرها المثبتة والواردة  في القسم الثالث من هذه الرسالة تؤكد هذا وكذلك التناسخ يؤمن به بعضهم وينكره البعض الآخر لعدم تثبتهم من الروايات القائلة به وهو ليس عقيدة دينية بل  نظرة تعليلية لما يرونه من حوداث لاتنسجم مع العدل الذي هو الثاني من أصول الدين الخمسة عندهم.

5- المسلمون العلويون قديماً وحديثاً هم جميعاً على المذهب الجعفري المعروف. وهم مسلمون، مؤمنون، إماميون اثنعشريون وبهذا يختلفون عن الاسماعيليين ولا مذاهب كبرى ولا صغرى تميزهم عن المسلمين الشيعة الجعفرية والجهل الديني المنتشر بين جماهيرهم كما هو بين جماهير الشيعة والسنة من مختلف المذاهب وفي مختلف الأقطار الإسلامية ولا يجوز اعتباره عقيدة لهم ولا لغيرهم وقول بعضهم بالتصوف أو بالتناسخ لا يعده عقيدة لهم إلا ذو غرض يعتمده للتشهير والتشنيع المخالف للتعاليم الإسلامية التوحيدية ومن الظلم المخجل اعتباره عقيدة لقوم وعدم اعتباره عقيدة لآخرين مثلهم.

6و7- إن جميع ما ورد في هذين السؤالين وفروعهما المتعددة هو محض افتراء ومجرد كذب على عباد الله المؤمنين اختلقته العداوات الطائفية والتزمت المذهبي والدس والافتراء من قبل المبشرين: ( طلائع الاستعمار) لدول أوروبا وأمريكا واتخذوا منه ذريعة لتفريق العرب  المسلمين توصلاً بذلك إلى السيطرة عليهم متفرقين شيعا ومتفككين طوائف وأحزاب وفئات تتناحر باسم الدين ويكفر بعضها بعضا.

وقد تفنن أولئك المبشرون ومن وراءهم ومن يتبعهم من الجهلة والحاقدين لتثبيت هذه التفرقة باسم الدين والعقيدة والمذهب تارة وباسم الحزبيات السياسية والقبلية والإقليمية أحيانا والأدلة والبراهين على هذا أكثر من أن تعد ولا يجهلها مطلع ولا يكابر بإنكارها ذو مسكة من عقل أو وجدان ( ديني – وطني).

8- لا يوجد في عداد المذاهب الإسلامية التي عرفناها مذهب اسمه المذهب الجنبلاني وإذا وجدت ــ بالافتراض ــ طريقة تصوف بهذه التسمية لدى بعض المتصوفة فلا يجوز لعاقل أن يدعوها مذهبا أو عقيدة دينية ولا علاقة لها بذلك.

ولم أعثر مطلقا على كتاب مخطوط أو مطبوع في هذه الطريقة لدراسته دراسة علمية موضوعية تمكن الدارس من البرهنة على مدى صحته وعلاقته بالمسلمين العلويين ومقارنته بالطرق الصوفية الأخرى لدى بقية المسلمين.

ولعل في  ديواني الشاعرين: المكزون السنجاري والمنتجب العاني بعض الأفكار والآراء والأقوال التي يمكن أن تكون ذات صلة بــ الطريقة الصوفية الجنبلانية التي تسأل عنها هذا مع العلم اليقيني بأن السياسة والعداوات تركت آثارها في شعرهما كما في شعر غيرهما من معاصري تلك الحقبة وكما في المؤلفات الفقهية والتاريخية والصوفية التي كتبت في تلك الفترة المؤسفة من تاريخ العرب المسلمين.

وإنك لواجد في القسم الثالث من هذه الرسالة البراهين والأدلة على هذا الذي أقوله من المصادر التاريخية والفقهية الموثوقة.

وحول الحاشية التي ترجو فيها تسمية بعض المراجع الموثوقة أعلمك أننا نحن معشر  الشيعة الجعفرية لا نعتبر كتاباً موثوقا مابين دفتيه ماعدا كتاب الله : (القرآن الكريم) الموجودة منه ملايين النسخ طبق الأصل بين أيدي المسلمين من جميع مذاهبهم وجماعاتهم دون أي فرق لا زيادة ولا نقصانا أما ما عداه من كتب الحديث والتاريخ والفرق فلا نقرر أن أي واحد منها يخلو من قول يمكن تطرق الشك به أو الجزم ببطلانه أو بتضعيف سنده أو متنه أو أنه مما لايعمل به وفي القسم الثالث الأتي بعنوان: ( تفصيل واستطراد) ما يدل على صدق اعتبارنا هذا.

القسم الثالث: تفصيل واستطراد:

1ـــ  الرسالة الغريبة:

لا ياأخي لم أستغرب رسالتك الغريبة كما دعوتها أنت، وكما لم أستغرب الكثير من ميثلاتها، مما وجهه إلي في أحوالٍ مشابهة أو مغايرة إخوان كرام لم تربطني بهم صلات رحم ماسة، ولم تجمعني وإياهم قبل ذلك مجالس تعارف وأنس بل جمعتنا معا عن بعد أو قرب لقاءت الفكر وحب المعرفة الصحيحة النافعة، وطلبها حيثما وجدت والحكمة ضالة المؤمن...).

وهل هنا طالب معرفة يستغرب اسم الدكتور شاكر مصطفى الأديب المحاضر الجامعي، والسياسي العربي، والدمشقي القح، صاحب محاضرة: العرب في التاريخ التي استهلها بقوله: (   صدقوا خجلي فإنني أخجل لنفسي أن أناقش وأخجل لغيري أن يشك أو يجهل أو يدس، أو أن  يستعمله ألأجنبي للشك والجهل والدس)

ويزيد في ختامها: ( بدل أن يؤمن معي ومعكم بأن أمتنا أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة).

2- معلومات مؤكدة ومساعي مسعدة.

استهللت رسالتك إليّ قبل توجيه الأسئلة بالتعريف عن نفسك في قولك: ( وقد سمحت لي  صداقاتي أيام الفتوة معش باب المجموعتين أن أعرف مبكرا جدا أنهما مجموعتان من الشيعة الإمامية الجعفرية وقد تأكدت معلوماتي مع الأيام من خلال صداقاتي الوطيدة مع الأستاذ الأرسوزي والدكتور وهيب الغانم، وأستاذنا بدوي الجبل، ومجموعة أخرى من شباب   جيلي قد تعرف منهم مثلا الأستاذ يوسف  شقرا الذي كنت وسيط زواجه من فتاة دمشقية معمة مخولة وسعدت بنجاح مسعاي أجمل السعادة.).

باسم الإسلام والمسلمين أشكر لك ولأمثالك يا أخي ( هذه المعلومات المؤكدة مع الأيام والمساعي المسعدة أجمل السعادة ) فمن الطبيعي ومن المصلحة الجامعة المفيدة والمندوب إليها، أن يتعارف المسلمون، وأن يتزاوجوا بين ألأكفاء منهم، لقوله تعالى: ( إنما المؤمنون إخوة) ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن .. ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) ولما ورد في الحديث الشريف إذا جاءكم من تثقون بدينه وخلقه فزوجوه. إنكم إلا تفعلوا ذلك تكن فتنة في الأرض وفساد كبيرة).

ألا ترى معي ياأخي أنك بتقرير عباراتك هذه الصريحة المؤكدة والمسعدة كنت بغنى تام عن كل ما عنيت نفسك وغيرك بالسؤال عنه في رسالتك هذه وخاصة مع الإطلاع والتدبر لهذه النصوص الإلهية والنبوية المحكمة.

3- حول تعليقك على نشرة سنة 1968:

وتقول متابعا: وكان تعليقي الذي يعرفه الكثيرون على النشرة التي حملت توقيعكم سنة 1968 – على ما أذكر – والمتعلقة بعقيدة العلويين الجعفرية، أنها دفع لأبواب مفتحة على مصاريعها ولا ضرورة لتأكيد المؤكد.).

وقبل متابعتي قراءة الرسالة حملة قولك هذا على مضمون ما قبله. بيد أني بعد إكمال قراءتها عدت إلى تفقد إنتاجي الفكري في تلك السنة فاستغربت جدا تعليقك وتمنيت لو ذكرت لي عنوان (النشرة ) المزعومة، أو لخصت لي مضمونها، وأوضحت رأيك فيها بأصرح من عبارتك الأنفة، وأنك سميت لي ببعض الكثيرين الذين يعرفون تعليقك ذلك لأستوضح منهم.

4- بعض جهودي قبل إقامتي في دمشق:

ياأخي لقد كتبت وحاضرت ونشرت في الصحف اليومية والمجلات الشهرية منذ سنة 1929م، قبل انتقالي إلى دمشق الحبيبة سنة 1957م، مقالات وبحوثا في التاريخ والأدب والتوجيه الاجتماعي ومكافحة الأمية. ولخصت وعلقت وطبعت كتاب المختصر الجامع في أصول الدين وفروعه سنة 1371هـ الموافقة سنة 1952م لمؤلفيه الفاضلين شقيقي الشيخ عبد اللطيف الخير من القرداحة والشيخ محمود الصالح من الزللو ــ بانياس  ونشرت في نهاية الكتاب نص المرسوم التشريعي رقم /3/وتاريخ /15/ حزيران سنة 1952بتوقيع رئيس الدولة اللواء فوزي سلو وجميع وزرائه ، ونص قرار المفتي العام الشيخ محمد شكري الأسطواني رقم /8/وتاريخ /17/شوال سنة 1371هـ الموافق تموز سنة 1952. وهما يتضمنان الاعتراف بمذهبنا الإسلامي الجعفري، وتسمية أعضاء لجان من بعض علمائنا لفحص مرتدي الكسوة الدينية من رجالنا، ومنحهم الشهادة المخولة ذلك أسوة بإخواننا من المسلمين السنيين، وقامت اللجان بأعمالها وحصل مئات المشايخ على الإجازة المرغوب فيها، وأرجئ مئات آخرون للاستزادة من المعلومات الفقهية الضرورية.

كما أنني ساهمت آنذاك بالسعي الجاد الذي أثمر إيفاد بعثتين من شبابنا لدراسة الفقه الديني في جامعتي النجف والأزهر الشريفين، ومع الأسف الشديد المخجل، فإن الحكومات المتعاقبة في البلاد لم تقبل تعيين أي واحد منهم في الوظائف الدينية.

وما من تعليل لذلك البتة إلا التعصب وتعمد تلك الحكومات الحيلولة دون متابعة طلبة العلم من المسلمين العلويين الدراسات الفقهية في الجامعات الدينية لكي يظلوا بعيدين عن التأهيل للوظائف الدينية التي هي وقف على إخواننا من المسلمين السنيين حتى أمس القريب.

5- بعض جهودي خلال إقامتي بدمشق:

ثم بعد انتقالي سنة 1957 إلى العاصمة، قلب العروبة النابض، التي أغفلت ذكرها في محاضرتك: ( العرب في التاريخ) بين أقدم المدن الحضارية العربية، فقد نشرت  بحوثا ومقالات أدبية وتاريخية ونقدية، وطبعت كتبا دينية وتراجم، وحدثت في الإذاعة قبل سنة 1968 أحاديث دينية ولكنني لم اكتب ولم أنشر أي كتاب أبو بحث ولا أية نشرة منذ صيف سنة 1967 حتى غاية  سنة 1968 وذلك بسبب وعكة رمل  حادة نقلت بتأثيرها إسعافا على مشفى المواساة بدمشق، وألزمني التردد بين المشفى والبيت والأطباء أثر تلك المدة.

6- افتراء نشرة سنة 1968:

بيد ِأن أحد الحاقدين، ممن  يبيعون ضمائرهم وأقلامهم من الصهيونية ومن وارئها، تعمد افتراء نشرة سنة 1968بعنوان: وحيد العين وذيلها بالأجراف الأولى من اسمي وقد طبع منها مئات الأولوف من النسخ بأموال المتربصين شرا باستقرار الحكم في هذه البلاد الحبيبة وبتآخي وتعاون أبنائها البررة بها المتآزرين معا في جهادهم القومي، على اختلاف مللهم ونحلهم المزعومة.ووزعها المتحمسون من الحاقدين والموتورين على العالم بأسره كما أكد لي تجار ودارسون ومسافرون  ــ في أوروبا وأمريكا وآسيا وأفريقيا والبلاد العربية عامة وفي موسم الحج خاصة/

7- الغاية من افتراء النشرة:

وكان ملفقو تلك الفرية الضالة المضلة يقصدون بها أمرين اثنين :

أولهما: إحداث فتنة طائفية في البلاد تطيح باستقرارها وبالحكم الحزبي القائم فيها آنئذ. ( كما افتعلوا في لبنان الحبيب الفتنة الطائفي المؤسفة المدمرة سنة 1975والتي لا تزال تكتوي قلوب أهل الغيرة بنيرانها الملتهمة الأجساد والعمران.).

وثانيهما: إسكات صوت الإصلاح والتقريب المدوي على لساني وقلمي خلال خمسين عاما قضيتها في العمل الجاد، الصامت حينا والمعلن أحيانا، ملازما التوجيه الاجتماعي شفاها وكتابة، والتعليم في المدارس الحكومية والأهلية وفي البيوت المحافظة، ونشر المقالات والمحاضرات التاريخية والأدبية والاجتماعية بمختلف وسائل النشر، وإصدار الكتب الإسلامية المذهبية الموجزة، والدراسات التربوية، والتعاون مع الخلص من إخواني الواعين على بناء المدارس والمساجد والمستوصفات بين المسلمين الجعفريين المعروفين باسم العلويين من تبرعات جماهيرهم وبعض أغنيائهم وذلك لأن رجال الحكومات، التي كانت تحتكر الإسلام لمذاهبها، كانوا يمنعون بناء مسجد يصلى فيه على غير مذاهبهم؛ كما كانوا يمنعون الصلاة إذا لم تكن وفق مذاهبهم التي حددتها سياسة أحد الحاكمين بأربعة فقط، بعد سبعة قرون ونيف على وجود الإسلام، وخمسة قرون ونيف على وجود أئمة المذاهب الأربعة أنفسهم، وهم الذين لم يفرض أي واحد منهم مذهبه على جماهير المسلمين. تذكر قول أعظمهم: إذا صح الحديث فهو مذهبي وتذكر رفض مالك عرض السلطان عليه أن يحمل الناس على الأخذ  بكتابه الموطأ دون غيره من كتب الحديث:

وأحمد الله تعالى على أن الوعي ( الوطني ــ الديني) لدى عقلاء المواطنين، من مختلف فئاتهم، قد فوت على الحاقدين والموتورين والكائدين غايتيهم معاً.

8- الرد على النشرة:

وبعد سنوات أعاد نشر تلك ( الأكذوبة الفاجرة) سياسي محترف ضمن كتاب أسماه ( مجتمع الكراهية) ولعلك قرأته وضمنه الكثير الكثير من اتهامات رجالات الحكومات والأحزاب بعضهم بعضا، في أكثر البلدان العربية، ما ذكر أنه استقاه من خطبهم وصحفهم وإذاعاتهم الرسمية، ولغاية لا تخفى على بصير دس بينها النشرة المفتراة ليثبتها بزعمه للتاريخ وكأنها وثيقة دامغة ضد القوم الذين عنتهم النشرة بافتراءاتها.

وفور إطلاعي على الكتاب في بيروت خلال شهر تموز سنة 1971م كتبت رداً بحجم النشرة ذاتها بعنوان: ( للحقيقة والتاريخ) أوضحت فيه الغاية الدنيئة من النشرة ومن تضمينها الكتاب المذكور، وطبعت من الرد أربعة آلاف نسخة وزعت معظمها بالبريد المسجل والعادي على أكثر السفارات العربية والصحف والمجلات ودور الإذاعة والنشر في لبنان والأردن خاصة وفي معظم الدول العربية عامة.

ولكن مع الأسف لم شر ــ فيما علمت ــ أية صحيفة أو مجلة ِإلى ردي ذاك، وطبيعي هذا لأنه لم يصحبه أي مبلغ من العملات لا الصعبة ولا العادية.

كما أن صاحب مجتمع الكراهية لم يكتب إليّ معلقا على الرد لا سلبا ولا إيجابا رغم ما زودته به من الكتب والوثائق، ليصحح معلوماته الخاطئة عن جماعة واسعة من أبناء قومه وذلك بواسطة وزارة الخارجية  الأردنية لجهلي عنوان إقامته حينئذ بل اكتفى بأن شكاني إلى الأخ الصديق الحميم، أديبنا وشاعرنا الأكبر، الأستاذ بدوي الجبل المصطاف يومئذ في لبنان كما ذكر لي ولده الحبيب أحمد خلال لقاء عابر في بيروت عندما سلمته نسخا من الرد ليحملها إلى والده الكريم في مصيفه.

9- اعتذار عن عرض معلومات جانبية:

معذرة ياأخي ــ والكريم يعذر ــ لإزعاجك بهذه المعلومات الجانبية، التي دفعني إليها حبي إطلاعك على المراحل الملتوية التي سلكها الحاقدين الموتورون لدس تلك النشرة التي صفق لها الأغبياء ومرضى النفوس ولم يخجل بعضهم من مجابهتي بالمدح لأجلها واعتبارها جرأة نادرة قل من يجرؤ عليها مثلي فبرهنوا بذلك على بشاعة سخفهم، وكشفوا عن طوياتهم، و