Make your own free website on Tripod.com

          الأدوار التاريخية التي تعاقبت على العلويين

 

سبق أن قلنا أن كلامنا عن العلويين يتناولهم منذ قيام الدولة الحمدانية في حلب, و لذا نرى لزاماً علينا التبسيط في معرفة نشأة تلك الدولة و العصر الذي نشأت فيه, و معرفة مدى قوتها و اتساع حدودها و عظمة رجالها.

لقد تكلم المجتهد الأكبر السيد( محسن الأمين) أعلا الله مقامه, عن الدولة الحمدانية في كتابه( أبو فراس الحمداني)ما نصه:

( كان عصر الحمدانيين عصراً قد انقسمت فيه المملكة الإسلامية المترامية الأطراف إلى ممالك و إمارات جلها غير عربية, فكانت خراسان و ما و الأهابيد السامانيين, و ما وراء النهر بيد الغزنويين و كلتا الدولتين غير عربية, و بغداد و فارس بيد البويهيين و هم من الفرس, و الخلافة العباسية في بغداد لا حول لها و لا طول, و إنما لها الخطبة و المشاركة في السكة في البلاد الإسلامية الشرقية, و الشام و مصر بيد الإخشيديين و هم أتراك و افريقيا و المغرب بيد الفاطميين, و الأندلس بيد الأمويين. 

فأنشأ الحمدانيين مملكة إسلامية عربية في الموصل و ديار بكر و ديار ربيعة و الجزيرة و حلب و العواصم إلى لبحر المتوسط شمالاً, و إلى مملكة الروم و قاعدتها القسطنطينية شرقاً, و إلى فلسطين و دمشق غرباً, فردوا غارات الروم و أغاروا على بلادهم و فتحوا كثيراً منها و الروم يومئذ في قوتهم, و قهروا القرامطة و الخوارج الشراة كهارون الشاري و غيرهم, و تسلطوا على الأكراد و أخضعوهم, و أخضعوا قبائل العرب المنتشرة في الجزيرة و بادية الشام صاحبة العدد الكثير و القوة و أدخلوها في طاعتهم, و حاربوا الإخشيديين في الشام و أخذوا منهم دمشق ثم عادوا إليها بمخامرة أهلها,و كانت هذه المملكة منقسمة بين ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان, و أخيه سيف الدولة على بن عبد الله بن حمدان, و كان لناصر الدولة الموصل و الجزيرة, و لسيف الدولة حلب و العواصم و ما إليها, و كان ناصر الدولة لا يخلو من منازعة البويهيين له, و سيف الدولة يحارب الروم غالباً,و سيد بني حمدان و رئيسهم سيف الدولة, و وزيره و قائده الأول و محل اعتماده في الحروب و قيادة الجيوش و حماية المملكة أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان, و لم يكن سيف الدولة و أبو فراس طالبي ملك صرف و إمارة محضة, بل كان لهما باعث ديني و غيرة وطنية يبعثها على حماية المملكة و حفظها, فسيف الدولة يجمع من غبار غزواته للروم التي كان يقصد منها رد عاديتهم عن بلاده لبنة و يوصي أن توضع تحت رأسه في قبره, و أبو فراس يقول لسيف الدولة:

فأحوط للإسلام أن لا يضيعني        و لي عنه فيه حوطة و مثاب

و إن رجلاً كسيف الدولة و ابن عمه أبي فراس يستطيعان انشاء دولة قوية عربية إسلامية نمت في ظلها العلوم العربية و الإسلامية و الأدب العربي نمواً فائقاً في عصر تفككت فيه عرى الإسلام و العروبة, و في بقعة محاطة بالروم من جهة و بالإخشيديين و البويهيين الأقوياء من جهات أخرى, و مشسحونة في داخلها بدعايات القرامطة و الخوارج و فتنهم, و بغزوات الأكراد و القبائل العربية و فسادهم,لرجلان فريدان عظيمان خلّد التاريخ ذكرهم في صفحاته بالعز و الفخر. انتهى

 

 

     ذكر الملك سيف الدولة و بعض وقائعه و غزواته

 

وُلد الملك سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان العدوي التغلبي, سنة ثلاث و ثلاثمائة(هـ) في بيت يكتنفه المجد و تحيط به عزة الإمارة, و ما إن بلغ أشده حتى اعتلا ذروة الفخار, فملك( واسطاً) و نواحيها, ثم تقلبت به الأحوال فملك(حلب الشهباء) و اتخذها قاعدة ملكه بعد أن انتزعها سنة ثلاثمائة و ثلاثٍ و ثلاثين(هـ) من يد أحمد بن سعيد الكلابي عامل الإخشيديين عليها.

و قد قال فيه أبو الفداء في تاريخه:( سيف الدولة أحد الأمراء الشجعان و الملوك الكثيري الإحسان على ما فيه من تشيع, و قد ملك دمشق في بعض السنين, و أتفق له أشياء غريبة, منها: أن شاعره كان أبا الطيب المتنبي, و منها, أن مطربه أبا نصر الفارابي, و كان سيف الدولة كريماً جواداً معطياً للجزيل, إلى أن قال: وُلد سنة ثلاث و قيل إحدى و ثلاثمائة, و إنه ملك(حلب) بعد الثلاثين و الثلاثمائة, و قبل ذلك ملك(واسطا) و نواحيها, ثم تقلبت به الأحوال حتى ملك حلب انتزعها من يد أحمد بن سعيد الكلابي صاحب الإخشيد) انتهى.

و فيه يقول الثعالبي في يتيمته, كان سيف الدولة رضي الله عنه و أرضاه, و جعل الجنة مأواه, غرة الزمان و عماد الإسلام, و من به سداد الثغور و سداد الأمور, و كانت وقائعه في عصاة العرب تكَف بأسها و تنزع لباسها و تفل أنيابها و تذل صعابها و تكفي الرعية سوء آدابها, و غزواته تدرك من طاغية الروم الثأر, و تحسم شرهم المثار و تحسن في الإسلام الآثار, و حضرته مقصد الوفود و مطلع الجود, و قبلة الآمال و محط الرحال و موسم الأدباء و حلبة الشعراء, و يقال أنه لم يجتمع قط بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر و نجوم الدهر, و إنما السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها, و كان أديباً محباً لجيد الشعر لجيد الشعر شديد الاهتزاز له, و من ملح شعره ما قاله في وصف قوس قزح و هو أحسن ما سمعته فيه على كثرته, و هذا من التشبيهات الملوكية التي لا يكاد يحضر مثلها السوقة) و هاك قوله:

 

و ساق صبيح للصبوح دعوتـــــه       فقـــــام و في أجفانــــه سنــة الغمــــض

و قد نشرت أيدي الجنوب مطارفـاًَ       على الجود كناً و الحواشي على الأرض

يطوف بكاسـات العقـــار كأنجـــــم        فمــــن بين منقض علينـــــا و منفـــض

يطرزها قوس الغمــــام بأصفــــــر        على أحمر في أخضـــــر تحت مبيـــض

كأذيال خــــود أقبلت في غلائـــــــل        مصبغـــة و البعض أقصـــــر من بعض   

 

قلت: إن هذا الوصف لمما ينطق عليه قول القائل(كلام الملوك ملوك الكلام).

و يقول الشيخ ناصيف اليازجي في تعريف الملك سيف الدولة منذ ذكر إتصاله بالمتنبي في إنطاكية, ملخصاً عن وفيات الأعيان.

(كان سيف الدولة ملكاً على حلب انتزعها من يد أحمد بن سعيد الكلابي, سنة ثلاثمائة و ثلاث و ثلاثين هــ) و بعد التحدث عن أدبه و اتصال الأدباء به و عرض شيء من شعره قال:( كانت ولادته سنة ولادة المتنبي و هي سنة ثلاث و ثلاثمائة هـ) إلى أن قال:( و لم يكن في الملوك أغزى منه حتى أنه كان قد جمع من نفض الغبار الذي يجتمع عليه في غزواته شيئاً و عمل لبنة بقدر الكف و أوصى أن يوضع خده عليها في لحده فنفذوا) انتهى.

و إحياء لذكرى عظمائنا العرب و ذكر أمجادهم الخالدة نرى لزاماً علينا الإشارة إلى وقائع سيف الدولة الكثيرة, و عرض بعض غزواته المظفرة, فقد وقف نفسه لرد غارات الروم المتكررة على بلاده, و وطّـد عزمه على غزوهم فلم يكن ليستريح من غزوة حتى يتهيأ لأخرى, و لم يكن لينتقل من فتح إلا إلى فتح ينتظره,و قد توغل في بلاد الروم غازياً فاتحاً حتى غزا (سمندو) و هي التي عرفها الشيخ ناصيف اليازجي في شرح ديوان أبي الطيب المتنبي عند ذكره إياها بقوله:

 

رضينا و الدمستق غير راض          بما حكم القواضب و الوشيــج

فإن يقدم فقــــد زرنا (سمندو)           و إن يحجم فموعدنا الخليـــج

 

قال الشيخ ناصيف اليازجي(سمندو) و يقال لها(سمندوة) قلعة بالروم يقال هي المعروفة اليوم(ببلغراد).

 

و قال صاحب اليتيمة, يقال أن سيف الدولة غزا الروم أربعين غزوة له و عليه, فمنها: أنه أغار على زبطرة, و غرقة, و ملطية, و نواحيها, فقتل و أحرق و سبى, و انثنى قافلاً إلى,درب موزار, فوجد عليه قسطنطين بن فردس الدمستق, فأوقع به, و قتل صناديد رجاله و عقب إلى بلدانه, و قد تراجع من هرب منها, فأعظم القتل و أكثر الغنائم و قد عبر الفرات إلى بلد الروم و لم يفعله أحد قبله, حتى أغار على, بطن هنزيط, فلما رأى فردس بعد مغزاه و خلو بلاد الشام منه, غزا نواحي إنطاكية, فأسرى سيف الدولة لا ينتظر متأخراً و لا يلوي على متقدم حتى عارضه بمرعش, فأوقع به و هزمه و قتل رؤوس البطارقة و أسر قسطنطين بن الدمستق, و أصابت الدمستق ضربة في وجهه, و أكثر الشعراء في هذه الوقعة, و فيها يقول أبو الطيب المتنبي التي مطلعها:

 

     لكل امرئ من دهره ما تعودا      و عادة سيف الدولة الطعن في العدا

 

و قال الشيخ ناصيف اليازجي في ذكر بناء(الحدث) لبنائها, و كان أهلها قد سلموها إلى الدمستق بالأمان سنة سبع و ثلاثين و ثلاثمائة هـ , فنزلها سيف الدولة يوم الأربعاء ثامن عشر جمادي الأخرى سنة ثلاث و أربعين و ثلاثمائة هـ ,و بدأ من يومه فوضع الأساس و حفر أوله بيده, فلما كان يوم الجمعة نازله ابن الفقاس الدمستق في نحو خمسين ألف فارس و راجل, و وقع القتال يوم الاثنين سلخ جمادي الأخرى من أول النهار إلى العصر, فحمل عليه سيف الدولة بنفسه في نحو خمسمائة من غلمانه فظفر به و قتل ثلاثة آلاف من رجاله و أسر خلقاً كثيراً فقتل بعضهم و أقام حتى بنى الحدث و وضع بيده آخر شرفة منها, في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب, فأكثر الشعراء في هذه الوقعة).

و فيها يقول أبو الطيب قصيدته التي مطلعها:

 

على قدر أهل العزم تأتي العزائم        و تأتي على قدر الكرام المكارم

 

و غزوات سيف الدولة توسيعاً لرقعة ملك العرب في أرض الروم و مواقفه المجيدة ذوداً عن حياض الوطن و ببضة الدين لرد غاراتهم المتكررة الأكثر من أن تستوعبها هذه الصفحات, و قصارى القول أن من الفضول الإسهاب في تقديم شخصية سيف الدولة إلى القراء و هي التي عرف التاريخ فيها معاني الإجلال و التقدير فسجلها على صفحاته الخالدة الغر بكل فخر و اعتزاز.

 

حال العلويين في ذلك العهد و ذكر العهد بعض أمرائهم 

 

في غضون ذلك العهد الميمون أمن الساحل السوري من غوائل الغزاة الإفرنج رغم توالي غزواتهم عليه, و التي كانوا في أيها ينكصون على أعقابهم مذمومين مدحورين بفضل ما كان من روابط قومية و اجتماعية و أواصر ود و قربى و توثق عرى صداقة و ولاء بين هذا المليك الغازي و بين ولاة ثغور الساحل الأشداء, و بتماسكهم للذود عن حوضه تماسكهم بالولاء لآل البيت الطاهرين عليهم السلام, و بإجماعهم على حمايته إجماعهم في الأذان على (حي على خير العمل).

فقد كان على إنطاكية الأمير أبو العشائر الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان, و على اللاذقية الأمراء التنوخيون, و في طليعتهم الأمراء, محمد و حسين ابنا إسحاق التنوخي, و علي و معاذ ابنا ابراهيم التنوخي, و على الجنوب من طرابلس إلى طبرية الأمير أبو الحسن رائق بن خضر الغساني, ثم ابنه الأمير محمد بن رائق المعروف بأمير الأمراء, و كان عامله على صور و صيدا و مرج عيون الأمير بدر بن عمار بن اسماعيل, و جلهم مدحه المتنبي و قد مر بنا ذكرهم في الفصل الثاني من هذا الكتاب.

و رغم ما حاق بالعلويين في تلك الآونة من نقص في النفوس و في الأموال و الأملاك بسبب صد غارات الروم و غزوات الإفرنج المتتالية من جهة, و العمل لإخماد الاضطرابات الداخلية كفتن الأكراد و البدو و الخوارج الشراة من جهة ثانية, مما سبب ضعفاً و قلة في العلويين و عددهم, فإن العلوي يعتبر  ذلك العهد من أخصب و أمرع عهود تاريخ حياته, لأن حكمه نفسه بنفسه و استعلاء كلمة دينه و مذهبه على يده كانا ينسيانه آلام القتل و التخريب و مشاق الأسر و الأسفار, و يجددان فيه العزم و النشاط, فيقبل على الجهاد و التضحية بقوة لا تعرف الخور, و عزائم لا يتسرب إليها الانحلال.

 

 

                 وفاة الملك سيف الدولة

 

و في سنة ثلاثمائة و ست و خمسين(هـ) توفي الملك سيف الدولة في حلب و كان سبب موته الفالج, و قيل: عسر البول, و حمل تابوته إلى ( ميافارقين) فدفن فيها, و عمره ثلاث و خمسون سنة.

         قيام الملك سعد الدولة و مقتل أبي فراس

 

بعد وفاة الملك سيف الدولة قبض على زمام الحكم في المملكة و استولى على مرافق الحياة العامة في الدولة و تولى إدارة الملك و تصريف أمور البلاد بعده, ابنه الملك(سعد الدولة) أبو المعالي شريف, و لكنه لم يتمكن من ضبط أحوال الأمة و لا أحسن التصرف في شؤون الرعية, فلم يستقم له الأمر كأبيه, إذ لم تكن له إرادة أبيه و حكمته, و بدلاً من أن يتفرغ لتوسيع رقعة ملكه و يدفع خطر غارات الروم عن بلاده, وقف نفسه لكبح جماح الأمراء الطامعين بما في أيديهم من إمارات, و لتهدئة الأحوال الداخلية التي أثارها عليه أولئك الأمراء و ساعدهم ضعفه و تهاونه في أمر الرعية, و لا أدل على خرق سياسته و سوء تدبيره من العمل لقتل خاله و ابن عم أبيه الأمير أبي فراس الحارث بن سعيد بن حمدان, الذي قامت على قوائم سيفه عَمدُ مملكة الملك سيف الدولة, و قد اختلف المؤرخون في كيفية قتله, فابن الأثير يقول في حوادث

(357هـ) في هذه السنة في ربيع الآخر قتل أبو فراس بن أبي العلاء سعيد بن حمدان, و سبب ذلك أنه كان مقيماً بحمص فجرى بينه و بين أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان وحشة, فطلبه أبو المعالي فانحاز أبو فراس إلى (صدد) و هي قرية في طرف البرية عند حمص, فجمع أبو المعالي الأعراب من بني كلاب و غيرهم, و سيرهم في طلبه مع(قرعويه) فأدركه بصدد فكبسوه, فاستأمن أصحابه و اختلط هو بمن استأمن منهم, فقال قرعويه لغلام له اقتله, فقتله و أخذ رأسه و تركت جثته في البرية حيث  دفنها بعض الأعراب و لقد صدق من قال:(إن الملك عقيم) انتهى.

و قال ابن خالويه في شرح ديوان أبي فراس, لما مات سيف الدولة عزم أبو فراس على التغلب على حمص فاتصل خبره بأبي المعالي و غلام أبيه قرعويه فانفذ إليه منت قاتله, إلى أن قال: و بلغني أن أبا فراس رضي الله عنه أصبح يوم مقتله كئيباً و كان قلقاً في تلك الليلة و رأته ابنته  امرأَه أبي العشائر و هو على تلك الحال فأحزنها حزناً شديداً ثم ركب على الحال فأنشأ يقول و رجله في الركاب و الخادم يضبط عليها السير, و إنما قال ذلك كالذي ينعي نفسه و إن لم يكن من قصده ذلك قال رحمه الله:

أبنيتي لا تحزنــي     كل الأنــــــام إلى ذهـــــاب

أبنيتي صبراً جميـ     ـــلا للجليل من المصــــاب

نوحي علي بحسرة    من خلف سترك و الحجاب

قولي إذا ناديتنــــي     وعييت عن رد الجـــــواب      

زين الشباب أبو فرا    س لـــم يمتــــع بالشبـــاب

 ثم سار فلقي قرعويه فكان من أمره ما كان, و هذا آخر ما قاله من الشعر فيما بلغني , انتهى.

و قال ابن خلكان: ذكر ثابت بن قرة الصابي في تاريخه قال: جرت حرب بين ( أبي فراس ) و كان مقيماً بحمص, و بين    ( أبي المعالي شريف بن سيف الدولة) و استظهر عليه أبو العالي و قتله في الحرب و أخذ رأسه و بقيت جثته مطروحة في البرية إلى أن جاء بعض الإعراب و كفنه و دفنه, و قال غيره: لما قتله قرعويه لم يعلم به أبو المعالي, فلما بلغه الخبر شق عليه,انتهى.

و قال السيد (محسن الأمين) في كتابه: ( أبو فراس الحمداني) و الصواب أن الذي قتله (قرعويه) و أن أبا المعالي لم يعلم بقتله إلا بعد وقوعه إلى أن قال: و من المؤسف أن يكون أبو فراس الأمير الشجاع الكبير النفس العالي الهمة العربي الصميم, يقتل بيد غلام مملوك لغلام مملوك, و ما أحسن و أصدق قول المتنبي كما في اليتيمة:

   فلا تنلك الليالي أن أيديها           إذا ضربن كسرن النبع بالغرب

   و لا يعن عدواً أنت قاهره           فإنهن يصدن الصقر بالخـــرب 

 

  ضعف الدولة الحمدانية و جلاء سعد الدولة عن حلب

 

بعد مقتل أبي فراس أخذ يدب الضعف و الوهن في جسم الدولة الحمدانية, و تقوى روح الشقاق و التمرد في الرعية, إلى أن بلغ من جراء ذلك أن ثار(قرعويه) الغلام المذكور آنفاً على الملك سعد الدولة نفسه, سنة (359هـ) و استحوذ على حلب و أخرجه منها خائفاً يترقب, فسار إلى (طرف) و هي تحت حكمه فأبى أهلها أن يمكنوه من الدخول إليهم, فذهب إلى أمه في (ميافارقين) و أمه بنت سعيد بن حمدان أخت أبي فراس, فمكث عندها حيناً, ثم سار إلى (حماه) فملكها و سعى في عمارة (حمص) التي كان خربها ملك الروم سنة(359هـ) فيما خرب من البلدان الساحلية, كما في تاريخ أبي الفداء و ذلك أن ملك الروم دخل إلى طرابلس فأحرق و سبى و قتل منها خلقاً كثيراً, و كان صاحب طرابلس قد أخرجه منها أهلها لظلمه, فأسره الروم و استحوذوا على جميع أمواله و حواصله         و كانت كثيرة جداً ثم مالوا على السواحل فملكوا ثمانية عشر بلداً سوى القرى, و تنصّر خلق كثير على أيديهم,و جاؤوا إلى (حمص) فأحرقوا و نهبوا و سبوا, و مكث ملك الروم شهرين يأخذ من البلاد ما أراد, و يأسر من قدر عليه و صارت له مهابة في قلوب الناس, ثم عاد إلى بلده و معه من السبي نحو من مائة ألف ما بين صبي و صبية, و بعث سرية إلى الجزيرة فنهبوا و سبوا, و عاد الروم إلى إنطاكية فملكوها و قتلوا خلقا كثيراً من أهلها, و ركبوا إلى حلب, و أبو المعالي محاصر قرعويه الذي انتزعه ملكه كما تقدم, فخافهم و هرب عنها, فحاصرها الروم و أخذوا البلد و امتنعت عليهم القلعة, ثم اصطلحوا مع (قرعويه) على هدية و مال يحمله إليهم كل سنة, و سلموا إليه البلد و رجعوا عنه, و في عودة أبي المعالي عن حلب هرباً من ملك الروم رجع إلى عمارة

( حمص) و بعد أن أتم ترميمها سكنها إلى أن كانت سنة (366هـ), اختلفت الأمور على قرعويه فكتب أهل حلب إلى أبي المعالي و هو في حمص أن يأتيهم, فسار إليهم و حاصر (قرعويه) في حلب أربعة أشهر ثم افتتحها.    

 

    انهيار الدولة الحمدانية و قيام الدولة المرداسية

 

مات سعد الدولة و خلفه على المملكة ابنه(سعيد الدولة, أبو الفضائل) الذي اضطرمت في عهده نار الفتن فعجز عن إخمادها, و كثرت حوادث الشغب و الاضطرابات الداخلية فلم يستطع ضبط الأحوال و لم يحسن تصريف الأمور, و كانت قبائل البادية و في مقدمتها قبيلة بني مرداس تلعب دوراً هاماً في حقل إثارة الشغب على المليك الواهي و حمل الأمة على شق عصا الطاعة عليه, و قد اغتنم المرادسيون ضعف الحمدانيين, و بنوا دولتهم على أنقاض تلك الدولة المترامية الأطراف التي كان يخشى بطش رجالها ملك الروم على عرشه.

و باستيلاء المرداسيين على حلب أخذ التاريخ يغفل ذكر العلويين و يطمس عليهم, إذ ما من ريب أن التاريخ حليف المنتصر, و من مأثور الحكم في هذا الباب قول أمير المؤمنين علي عليه السلام, ( إذا أقبلت الدنيا على امرئ أعارته محاسن غيره و إن أدبرت عن امرئ سلبته محاسن نفسه).

و لهذا فقليل من نجده يتكلم عن العلويين و إذا تكلم فقليلاً ما ينصف.

 

  سقوط الدولة المرداسية و استيلاء الدولة الفاطمية على حلب و حال العلويين فيها

 

في سنة أربع مائة و تسع عشرة جاء جيش كثيف من مصر إلى حلب و عليها الملك( أبو علي صالح مرداس بن إدريس الكلابي) الذي لقب نفسه ( أسد الدولة) ثم قام بعده على حلب, حفيده (نصر) المعروف بــ (شبل الدولة) و ما زالت الدولة المرداسية في حلب إلى سنة أربع مائة و تسع و عشرين هـ  حيث قتل الجيش المصري الفاطمي (شبل الدولة) هذا آخر ملوك بني مرداس, و استولى المصريون على حلب و أعمالها, و ضموها إلى ملكهم في مصر كما ضموا الشام من قبل.

ساهم العلويون فعلاً بتقوية روح الدعوة الفاطمية و عملوا بكل ما أوتوا من قوة لنجاحها و إيصالها إلى النفوس و نشرها في البلاد, اعتقاداً منهم أن الخلافة حق أبناء فاطمة, و قد آن لهذا الحق المغتصب أن يعود لأهله, و تخلصاً من حكم الدولة المرداسية التي سلبتهم سلطانهم, فأسرعوا إلى البيعة يتفيأون ظلال دولة علوية, مكتفين بإعلان شعائرهم الدينية و إعلاء كلمة مذهبهم الولائي, و كلهم عيون متطلعة و آمال باسمة للمستقبل الذي عملوا لازدهاره و فزعوا من حاضرهم إليه, فلم يضنوا بثمين في سبيله و لا رغبوا بشيء عنه, ينشدون الراحة في أفيائه, و الحرية ترف عليهم من أجوائه, فيحيون حياة تنسيهم آلام حاضرهم و تعيد إليهم ذكرى ماضيهم الطيبة العبير, و لكن في القدر ما لم يكن في حسبانهم.

لقد تنكر الفاطميون لإخوانهم العلويين و جردوهم من مناصب الدولة, و نعموا بمرافق البلاد و خيراتها, و استأثروا بالحكم دونه,و لم يقف الأمر بهم دون ادعاء الخلفية الفاطمي العصمة لنفسه و اعتقاد تابعيه ذلك فيه, مما لا يتفق و اعتقاد العلويين, إذ لا عصمة عندهم بعد الأنبياء و الرسل لغير الأئمة الإثني عشر عليهم السلام فأصبحوا متفقين مع الفاطميين في المبدأ و مختلفين بالغاية.

و لما لم يجد العلويون ضالتهم المنشودة عند إخوانهم الفاطميون و يئسوا من إنصافهم إياهم, انكمشوا على  أنفسهم و انطووا على ذواتهم, و آثروا الطاعة لا جبناً و ذلا ًوهم العرب الأباة الذين تعودوا ممارسة الحروب و قيادة الجيوش, و لزموا السكينة تجنباً للفتنة و هم الذين عاشوا في بيئة مشحونة بالخصومات و الاضطرابات, و لكنهم إذ لزموا الهدوء فلأن الندم على مسارعتهم للبيعة عن غير تدبر و روية أوجد فيهم ذهولا عن أنفسهم سد عليهم مذاهب تفكيرهم و شغلهم عن تلمس أسباب النجاة, و إنا كثيراً ما نرى إنساناً أي إنسان إذا أقدم على أمر خطير تعقبه ندامة يفقد صوابه و يضطرب حبل تفكيره, فلا يبصر أنَّى يضع قدمه و لا يعرف ما يصنع و بمقدار خطورة الأمر و مبلغ تأثره منه يكون ذهوله عن نفسه و انشغاله عن إصلاح حاله.

و قصارى القول فإن العلويين بالرغم من حسن بلائهم لإعلاء كلمة إخوانهم الفاطميين و استجابتهم دعوتهم و العمل لتوطيد دعائم ملكهم لم يجدوا لديهم ما تثلج به و ترتاح إليه نفوسهم إلا اعتلاء مذهبهم الولائي الذي بلغ أوجه في ظلال تلك الدولة, و إلا ازدهار العلوم و الآداب و السياسة في غضونها, أما ما كانت تصبو إليه نفوسهم من متع الحياة و سعادتها و لذائذ الحكم و مشتهياته فلم يظفروا بشيء منه, بل على العكس فقد قلبوا لهم ظهر المجن, و أقصوهم عن الحكم, إلا بعض الأمراء الحمدانيين الذين نشأوا في مصر من أبناء الملك ناصر الدولة الحسن بن عبد الله الحمداني ملك الموصل, نذكر منهم الأمير ناصر الدولة أبا علي الحسن بن حمدان.كان الأمير ناصر الدولة شجاعاً عاقلاً نشأ في مصر و ولي فيها قيادة جيوش المستنصر العلوي, و في أيامه اختل حال المستنصر و قوي الأتراك, فطلبوا إخراج ناصر الدولة من مصر, فأرسل إليه المستنصر يأمره بالخروج, فخرج إلى الجيزة ثم إلى بني سنيس, فلحقت به العساكر تريد إقصاءه, فقاتلها و هزمها و عظم أمره فاستولى على الريف و قطع الميرة عن مصر براً و بحراً, فأصابها ضيق شديد و غلاء و وباء فكاتبوه في الصلح فأجاب إليه, ثم كان له الأمر و النهي في القاهرة,و رتب للمستنصر في اليوم مائة دينار, و أقام على مدة إلى أن ائتمر به جماعة من قواد الأتراك فقتلوه غيلة عام(465هـ) في دار له على النيل كانت تعرف بمنازل العز و ما زالت هذه حال العلويين مع إخوانهم الفاطميين إلى أن دالت دولتهم, و طوى الأيوبيون صفحتها بظهورهم على مسرح الحكم.

 

           سقوط الدولة الفاطمية و قيام الدولة الأيوبية و حال العلويين فيها      

       

استولى الأيوبيون على مصر سنة(569هـ) و أزالوا شعار الفاطميين, و قضوا على عاداتهم و تقاليدهم, و منعو الأذان بـ(حي على خير العمل) و عزلوا قضاة الشيعة و استنابوا قضاة شافعيين, فساءت حال العلويين و فُتّ في عضدهم, و انتقلوا من سيء إلى أسوأ, و لما سُقط في أيديهم و رأوا أنهم قد حرموا من حرية اعتقادهم أقدس أمانيهم في الحياة و أغلى ما لديهم من ثمين, اخلدوا إلى السكينة إشفاقاً على نفوسهم و حرصاً على وحدة صفوف الأمة أن يعتورها التفكك و الانحلال, و هم في وقت أحوج ما يكونون إلى التضامن درءاً لخطر جيش الصليبين عدو البلاد المشترك, و قمعاً لفتن القرامطة المشبوبة نارها على العلويين خاصة, أثارها عليهم موقظوا عين الفتنة خشية التقائهم على صعيد سياسي واحد التقاءهم على اسم التشيع, و قد سبق أن التقوا سنة(353هـ) حيث قصد القرامطة أخذ مدينة طبرية من يد الإخشيد صاحب مصر و الشام, و طلبوا من الملك سيف الدولة أن يمدهم بحديد يتخذون منه سلاحاً, فقلع لهم أبواب الرقة و كانت من حديد صامت, و أخذ لهم من حديد الناس حتى أخذ لهم أواقي الباعة من الأسواق و أرسل إليهم بذلك كله إلى أن قالوا له اكتفينا.

فرأى القائمون بتصريف أمور الدولة أن في إيقاد نار الفتنة بين العلويين و القرامطة إبقاء على عرشهم, فأوقعوا بينهم و أجادوا إحكام حبل الوقيعة, فتمزقت صفوفهم و تحكمت العداوة و البغضاء في نفوسهم و قعدوا لبعضهم كل مرصد, فقرت عيون الفاتحين و اطمأنت قلوبهم و قد كان ملكها عليهم الذعر من التقاء  فرق الشيعة في البلاد عداوتهم, كيف لا, و لما تمَّح من مخيلاتهم صورة كتاب المقدم (راشد الدين بن سنان) إمام الطائفة الإسماعيلية, إلى الملك,( نور الدين محمود), و قيل إلى الملك,( صلاح الدين يوسف بن أيوب), و من بعض ما جاء فيه:( إذا وقفت على كتابنا هذا فكن لأمرنا بالمرصاد و من حالك على اقتصاد, و اقرأ أول النحل آخر صاد).

و ما هذا إلا واحداً من كثيراً من الكتب المفعمة بلغة التهديد و الوعيد, فأيقن ولاة الأمر بالمثل القائل( من مصلحة الحاكمين اختلاف المحكومين) فعمدوا إلى توسيع شقة الخلاف بينهم ما اتسع لهم الحال.

كان موقف العلويين آنذاك بالغ الخطورة و الرهبة, فهم بين نارين ملتهبتين, عسف الولاة و عاديات القرامطة, و أنكأ من هذا كله عجزهم عن درء أي الخطرين قبل وضع الحرب الصليبية الإسلامية أوزارها, لأن الواجبين الديني و الوطني كانا يقضيان عليهم بالتعاون و لو مع مبغضيهم لاستنفاد البلاد من أيدي الغزاة الطامعين و إقصاء الدخيل الأجنبي عنها, فنسوا مصالحهم الخاصة و تناسوا أحن جيرانهم و سوء معاملتهم في سبيل المصلحة العامة, و أبلوا في تلك الحرب الضروس بلاء حسناً, تلك الحرب التي كادت تأتي عليهم لوجودهم جغرافياً في أتونها الملتهب, فقاتلوا قتال المستميت ذوداً عن مقدسات دينهم و مقرات بلادهم و دفاعاً عن نفوسهم:

و لم يكن العلويون خلال توقف حملات الصليبيين لاستعادة نشاطهم العسكري في أمن و راحة, بل كانوا على العكس في حرب مع القرامطة الذين ما فتئت تحركهم أصابع الفتنة في الخفاء و تساندهم أيدي مظالم الحكام في العلن, مما اضطر العلويين إلى استعداء إخوانهم السنجاريين على القرامطة, فخفوا لنجدتهم, و على قيادتهم الأمير ( حسن بن مكزون السنجاري) الذي حشد الجموع منتصراً لإخوانه على القرامطة المعتدين, و قد نزل الأمير بمن معه على ماء يعرف بـ( عين كلاب) قرب قرية( أبي قبيس) في الجانب الشرقي من جبال العلويين, و بعد أن استراح الجيش من وعثاء السفر و أكمل أهبته انطلق الأمير به و بمن التف حوله من علويي البلاد يمعنون في نفوس و منازل أعدائهم قتلاً و تخريباً, إلى أن ضعف أعداؤهم عن المقاومة ففروا من بين أيديهم و تفرقوا أيدي سبأ, يضربون في طول البلاد و عرضها لا يلوون على شيء, و لم تقم لهم بعدها في هذه الجبال إلى الآن قائمة,فكف العلويون أيديهم عن القتال بعد أن أظفرهم الله على خصومهم, و رجع السنجاريون إلى بلادهم طيبة نفوسهم بالرغم ممن تركوا خلفهم من الشهداء و فيهم أخو الأمير و بعض أقربائه و مواليه.  و لكن الأيوبيين و لهم مقاليد الحكم في البلاد ما فتئوا يمعنون بالتضييق على العلويين و تشديد الرقابة عليهم و إقصائهم عن موارد الحكم و السياسة, مما جرح كبرياء العلويين العربية و أدمى صدرهم و أفئدتهم.

و أشد ما يقطع قلوبهم حسرات أن رأوا بلاداً ملكوها بشفار سيوفهم و سقوا أرضها زكيّ دمائهم تنتاهبها أيد لا عهد لها بها من قبل, و ينعم بمرافقها و خيراتها غزاة فاتحون, و هم أصحابها الذين درأوا عنها غارات الروم و خطر القراصنة و الإفرنج, يطردون عن مناهلها طرد غرائب الإبل.

أما في هذا ما يذكي مراجل الصدور و يجرح عزة النفوس و لا حول لهم على دفعه و لا قوة, و تجاه هذه الحوادث المؤلمة و الكوارث الجسيمة التي كانت تنزل بالعلويين من الرعاة و الرعية, و لضعفهم عن المقاومة و الدفاع لجأوا إلى كتمان ولائهم ضنا به و لزموا دور الستر حرصاً على حياتهم, و بالتزامهم دور الستر راجت الإشاعات في باطنيتهم و كثرت التقولات عليهم, و لإخلادهم إلى السكينة و عدم اهتمامهم لما نسب إليهم- اتكالاً على براءة ساحتهم- صدقت فيهم التهم الملفقة عليهم و أسدل عليهم حجاب الإهمال و النسيان, و أغفل ذكرهم إلا من ضرر يلحقه بهم المبغضون, أو وصمة يلصقها بهم المغرضون, فانقبضت نفوسهم و اضطربت أفكارهم و ذهلوا عما حولهم, فلا عمدوا إلى القوة لكبت عدوان الحاكمين,و لا اعتمدوا اللين و المداورة لاستجلاب قلوب المحكومين, بل وقفوا حيارى مبهوتين في وقت كان استخدام مواهب العقل و استعمال قوى التفكير لزاماً على كل عاقل و مفكر.

و إنما أفضل ما اهتدوا إليه في تلك الفترة القاسية من حياتهم هو محافظتهم على أنسابهم العربية الصحيحة, و احتفاظهم بخالص الحب و الولاء لأئمتهم المعصومين عليهم السلام, و انشغال بعض علمائهم بتأليف كتب قيّمة تدل على سمو مكانة مؤلفيها العلمية و الأدبية, و قد اشرنا إليها في الفصل الثاني من هذه العجالة و قدمنا نموذجاً من شعر أديبين من أدباء ذلك الجيل الرهيب, و الحق أقول لو أتيح لعلماء ذلك العصر و أدبائه إظهار مؤلفاتهم للملأ, و تسنى لهم إيصالها إلى النفوس الحرة و العقول الواعية لكان لهم من أنصار العلوم و الآداب في المجتمع نصير و ظهير,و لكن أنّى لهم نشرها و قد كان ولاة الأمر أعداء مذهب التشيع و خصومه الألداء ضربوا بينهم و بين الظهور على مسرح الحياة بسور من العيون و الأرصاد, يحصون عليهم أنفاسهم و يرقبون سكناتهم, فرغب الكثير منهم عن حياة الحضارة إلى عيشة البداوة, تفادياً من فتك ينتظرهم في نفوسهم كما مُنوا به في نفيس ولائهم إذ منعوا إعلانه فالتزموا كتمانه, فغادروا المدينة مدثرين الليل حجاباً إلى هذه الجبال التي اتخذوا منها أكناناً و من غاباتها و كهوفها ملاجئ و مدخلات.

و إنه لمما يحز في النفوس و يدمي متحجرات القلوب أن يحرم العلم و الأدب العربيان ذلك الإنتاج الفكري الخصب, و تأكله دابة الأرض أو تتلقفه مياه الأنهار و البحار, أو تلتهمه أفواه النيران خشية مقاصل الظلم و مقامع الاضطهاد, و ما استعصى منه على الإبادة و الفناء مًني بما هو شر و حاق به ما هو أدهى و أمر, من تلاعب ألسنة السوء بمضامينه, و جري أقلام الافتراء في حقوله, فحشاها دساً و فساداً و أشبعها كذباً, و ادخل عليها ما ليس منها, من أقوال حائدة و عقائد فاسدة, احتقاراً لتلك الآثار الجليلة و انتقاصاً من شخصيات مؤلفيها, و إيذاناً للمسئولين بإنزال العذاب الشديد و البأس البئيس بالآخذين بها و العاملين عليها.

 

        سقوط الدولة الأيوبية و قيام دولة المماليك و حال العلويين فيها

 

    ما زال العلويون بين مدبي مغلوب على أمره ملكوم قلبه, منقبضة نفسه, مستخف بولائه,و بين قروي فار بمذهبه منطو على ذاته غاض بصره, يرى الفرار ذلاً, و البعد عن المجتمع نقصاً, إلى أن  قامت دولة المماليك في منتصف القرن السابع, و انتزعت السلطة من الأيوبيين و قبضت على زمام الحكم في مصر و سورية, و أعلنت مذهب التشيع و أعادت الجهر في الآذان بـ( حي على خير العمل) فطابت نفس العلويين بعض الشيء رغم أنهم ما زالوا في معزل عن الحكم إلا أفراداً من رؤساء الجند و ولاة الحصون و القلاع, الذين اختلطوا بالإسماعيليين و عرفوا جميعاً بالفدائيين, و إلا قليلا من أحفاد التنوخيين الذين هاجروا إلى لبنان, فتوصلوا بحزمهم و بما أثبتوه من شجاعتهم و إقدامهم في الحروب الصليبية الإسلامية إلى تسلم بعض الإمارات هناك, يدفعون عنها خطر غارات الإفرنج و ينقلون خراجها إلى دولة المماليك, و هذا لا يعني أن العلويين نعموا بمرافق الحياة و أصبحوا في بحبوحة من العيش و تفيأوا ظلال السعادة الوارفة, و إنما أحيا فيهم حب الحياة-و قد كانوا سئموها- وجودهم أحراراً يعلنون اعتقادهم و يجهرون بولائهم, إلى أن كانت سنة(1305م) عندما أمر السلطان ( محمد بن قلاوون ) سلطان مصر,( من سلاطين المماليك البحرية) رجاله بتسيير حملة عسكرية عظيمة إلى جبال كسروان في لبنان لإبادة الطوائف الشيعية هناك إذ كانوا أصحاب البلاد آنئذ, كما فصله العلامة ( المطران دبس ) في كتابه ( الجامع المفصل ) و أوضحه المؤرخ ( عيسى اسكندر المعلوف ) في كتابه ( دواني القطوف ) حيث يقول:

{ و من جملة من فتك بهم العرب النصيرية الذين كانوا في شمال لبنان, و لا سيما في المنيطرة, و العاقورة, و نواحي البترون, و عكار, و الضنية, ثم امتدوا إلى كسروان قبل سنة(1305م) و كانوا أشداء يساعدون إخوانهم في ( وادي التيم, و مرج عيون) و الذين تخلصوا من الموت من هؤلاء رحلوا إلى الشمال, أي إلى جهات اللاذقية و إنطاكية و اعتصموا في جبالها و بقي منهم قليل في لبنان}.

 

      وضع المجتمع العربي المحكوم من الشعوبيين و غاية أولئك الحكام

 

  من أمعن الفكر و سار مع الأدوار التاريخية بترو و دقة, يدرك سر تأخر المسلمين العرب في هذه البلاد, إذ يتبين أن جل حكامهم كانوا غرباء أكبر همهم زرع بذور العداوة و البغضاء في صدور أبناء الشعب العربي و العمل لتوسيع شقة الخلاف بينهم, ليتسنى لهم بسط نفوذهم على العرب, و ذلك أن نرى أي أولئك الحاكمين و قد أدرك الفارق المذهبي بين السني و الشيعي يرتضي لنفسه أي المذهبين يراه أقرب ما يوصله إلى غايته,و يستخدم ممن درج عليه من المسلمين العرب قوماً يغدق عليه من عطاياه و يغريهم بتقريبهم منه, دون أن يكون لهم يد في تصريف أمور الدولة كما يلزم, كأنهم هم الدخيل على البلاد, و يستفزهم بمذهبه المصطنع و ما يزال بهم حتى يبعث في نفوسهم روح الكراهية لإخوانهم أبناء المذهب الآخر, و عندما يتحقق نجاح فكرته السيئة و يتأكد نمو بذور فساده في النفوس و القلوب يعمل سيفه في من ليسوا على مذهبه و يمعن فيهم قتلا و تخريباً, و إخوانهم ينظرون إليهم فلا تأخذهم بهم رأفة و لا ترق لهم عاطفة و لا تهتز منهم مشاعر, كأن لا صلة دين تربطهم و لا أواصر قربى تجمعهم, بل على العكس كثيراً ما كان ينفذ ذلك الجبار غايته الخبيثة في إخوانهم على أيديهم.

و من أنعم نظر بصيرته في أعمال أولئك الحكام الطغاة استبانت له أهدافهم التي و إن تباينت أداة تنفيذها فهي بجوهرها و حقيقتها واحدة, ألا و هي القضاء على العنصر العربي بقتل من يتمكنون من, و إذكاء الفتنة و التفرقة في نفوس البقية الباقية منه.

و من هنا تتجلى الحقيقة بهيكلها الذاتي فتبيين على أضوائها أسباب التباعد السني الشيعي, إذ كيف تندمل جراح كان يوغرها طبيبها المسئول يومياً بمراهمه السامة.           

 

                   مذبحة الطاغية( تيمورلنك)

 

و يا بئس ما صنع القدر بالمسلمين العرب إذ ألقى مقاليد أمورهم بأيدي غرباء عنهم, ولاة قساة, لا تعرف الرحمة

قلوبهم, و لا تشبع من الدم نفوسهم, من أولئك الغزاة الجفاة, الطاغية( تيمورلنك) المغولي, الذي نفثه القدر سماً زعافاً على قلب العروبة النابض, ذلك العلج الذي اتخذ من مذهب التشيع مثاراً للعصبيات البغيضة و محياً لدفائن الأحقاد المقيتة, فأوقع في المسلمين السنيين أيّما إيقاع, تلك المذبحة التي تقشعر لذكرها الجلود و توجل من هولها القلوب.

      

 

 

               مجزرة الطاغية (سليم العثماني)

 

ثم لا نلبث أن نرى القدر بعد حين من الدهر يعكس آيته, فبينما العلويون آمنين مستسلمين لأخيلتهم المجنحة التي طارت بهم إلى ما وراء حاضرهم, فأنستهم غوائل الأيام و مصارع الأجيال التي طالما نقضت عهود أوفياء, و خانت قبلهم أمناء, إذا بالقدر الجبار يصدر عليهم أحكامه الجائرة, و يخرج لهم من خباياه من ينفذها على يديه, تلك الأحكام التي لا هوادة فيها و لا رحمة, يقوم بتنفيذها في أواخر القرن التاسع الداهية السفاح ( سليم الأول العثماني ) الذي أدرك بسبب الفوارق المذهبية ما في نفوس الشعب من كراهية أوجدتها السياسة الدهياء و غذتها أعمال الولاة الرعناء, و هل لمثل هذا الداهية أن يضيعها من يده فرصة ذهبية, فرأى أقرب ما يوصله إلى غايته في الشرق التظاهر بالغيرة على المذهب السني, فأغرى بعض صنائعه من قضاة الرشوة و علماء السوء لإصدار فتوى بهدر دماء الشيعة(العلويين) فصدرت الفتاوي الحامدية و تنقيحها بإمضاء الشيخ (نوح الحنفي).

و لولا ما قطعناه على أنفسنا من تجنب إثارة الحفائظ, و من وجوب المحافظة على وحدة الصف, و العمل لبث روح الإلفة و الإخاء في نفوس أبناء الأمة لأتينا بالنص الكامل لتلك الفتاوى الظالمة الباطلة. و لقد رد على مفتريها الأثيم و دحض زور أقواله و منكر أفعاله سماحة الإمام الحجة(السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي) أعلا الله مقامه, في كتابه(الفصول المهمة في تأليف الأمة) و أبطل ما ادعاه من بغي الشيعة و كفرهم, و زيّف وجوه فتواه المنكرة بوجوب قتالهم و قتلهم, بحجج قاطعة و براهين ساطعة و أحاديث صحيحة و أسانيد ثابتة صريحة فليرجع إليها من شاء الوقوف عليها.

و من جراء تلك الفتوى الباطلة و القرية الصارخة بالظلم و الإثم كانت هاتيك الفظائع المنكرة و المجازر الرهيبة التي مثل بها السفاح(العثماني) في الشيعة(العلويين) شر تمثيل.

قال مؤلفوا التاريخ الحديث:( كان السلطان سليم الأول محنكاً في الحرب و السياسة, فقد رأى أن يوقف الفتوح في أوربا, و إن يستولي على بعض بلاد الشرق, فبدأ بفارس و كان يحكمها(الشاه اسماعيل الصفوي).

و قد استاء السلطان سليم من الشاه اسماعيل لمحاولته نشر المذهب الشيعي في الأناضول, و تحريض الأمراء على مقاومة العثمانيين, و لذلك غزا سليم الأول بلاد فارس و كسر الفرس في  موقعة جلديران قرب تبريز في سنة(1514م) و احتفظ بكردستان و ديار بكر. انتهى .

لقد عرف السلطان سليم من أين يأتي الشاه اسماعيل, إذ عمد لمحاربته داخلياً بما أوحاه إليه شيطان السياسة, فبث دعاته في الأمة يحملونها في الخفاء على التمرد و شق عصا الطاعة على الشاه,و يخوفوّن اللاشيعيين استعلاء المذهب الشيعي الذي تغلغل في الأناضول حتى كاد يستولي عليه, و الشاه غافل عما يحاك له, و من الغريب أن يجري مثل هذا بين ظهرانيه و لا يراه, و هو المشهور بيقظته و بعد نظره و نفاذ بصيرته في عواقب الأمور.

     و لكن إذا حم القضاء على امرئ     فليس له بر يقيه و لا بحر

سدر أولئك الدعاة في غيهم و تمادوا في غوايتهم فضللوا الآراء القاصرة, و سحروا العقول الساذجة و أغروا النفوس بما منوها من أساليبهم الخادعة, و وسعوا شقة الخلاف بين صفوف الأمة, فلم ينتبه الشاه إلى نفسه إلا و هو وسط بركان من نيران الفتن لا يلبث أن ينفجر فيهوي به إلى مكان سحيق, نظر إلى ما حوله فرأى أولئك الدعاة و قد استفحل أمرهم و استعصى داؤهم, فأخذ يدعو الأمة باللين تارة و بالقسوة أخرى إلى التضامن و نبذ الفوارق, و يحضهم على مقاومة العثمانيين, و لكن, سبق السيف العذل, فلم تجده حكمته فتيلا إذ كانت تأصلت العداوات في النفوس, و تحكمت البغضاء في الصدور, و استبد بصفوف جيشه الضعف و الانحلال, و عدوه ذلك السفاح العثماني يرقب تلك الأوضاع عن كثب فغزا بجيشه المتأهب بلاد فارس و كسر الصفويين كما تقدم, و أعمل سيفه بعلويي فارس و العراق, و فيما يتعلق بمصر و سورية فقد قال مؤلفوا التاريخ الحديث.

(أما في مصر و سورية فقد ساءت العلاقات بين المماليك و العثمانيين, لأن المماليك كانوا أصدقاء الصفويين و ظهرت منهم بعض تصرفات عدائية نحو العثمانيين, و من جهة أخرى كان سكان سوريا يرغبون في التخلص من حكم المماليك لسوء حالة البلاد, و قد اتجه سليم الأول نحو سورية و حارب المماليك و على رأسهم سلطانهم(قانصوه الغوري) في موقعة(مرج دابق) قرب حلب, سنة(1516م) و انتصر عليهم, و قد ساعده بعض ولا ة سورية ضد المماليك منهم:

خير بك, نائب حلب, و الأمير فخر الدين المعني أمير الشوف في لبنان).

و ذلك أن السلطان سليم اتجه إلى سورية بأطماعه التي لم تكن لتقف به عند حد, تنفيذاً لخطته المرسومة و لما يمض على فعلته الشنعاء في العراق إلا القليل, و لم يكن نصيب السوريين بأقل من نصيب إخوانهم العراقيين من تفشي دعاته فيهم و انشقاق صفوفهم و انحلال عزائمهم, مما سبب سوء حالة في البلاد تذرع فيها الراغبون بالتخلص من حكم المماليك, فعملوا ما وسعهم لإساءة العلاقات, بين المماليك و العثمانيين, و جهدوا أنفسهم لإيجاد جو من التوتر بين الدولة و الرعايا أنفسهم, و بذلوا ما أمكن لنشر الفوضى بين طبقات الشعب تهيئة لاستيلاء العثمانيين على البلاد, فكانت موقعة(مرج

دابق) التي انتهت بدحر المماليك و انتصار العثمانيين و إمعان السلطان سليم في نفوس العلويين و دورهم قتلاً و تخريباً,لقد انصب عليهم انصباب السيل و انقض عليهم انقضاض الصواعق المحرقة, فأخذهم أخذاً وبيلا و فتك بهم فتكاً ذريعاً, و لم تهدأ نفسه الثائرة و تستقر أعصابه المتوترة حتى ظن و ظنت بطانته الفاسدة أن تلك الفرقة انقرضت أو كادت, فأغمد سيفه الأثيم و هو ينظر إلى تلك الدماء البريئة تقطر منه فتأخذه العزة بالإثم, و قد أباد بتلك الفتوى الجائرة من مؤمني حلب أربعين ألفاً أو يزيدون, و انتهبت أموالهم و أخرج الباقون من ديارهم.

 

     لجوء العلويين إلى جبالهم و بدء عصرالتقهقر فيهم

 

بعد أن سكنت هاتيك العاصمة الهوجاء و الغضبة الجامحة أخذ العلويون السالمون من مجزرتين في العراق و سورية يجمع بعضهم بعضاً, و يتسللون تحت أجنحة الليل لو إذا هذه الجبال, متوافدين من مختلف الأنحاء يعتصمون بقننها و يلوذون بغاباتها و كهوفها, فراراً من تلك السيوف العادية التي كانوا يتمثلونها تقطر من دمائهم, و لم يقتصر السلطان سليم على تلك المجازر الرهيبة و فظائع المنكرة التي مثل بها في العلويين, بل استجلب العشائر التركية من الأناضول و كان يقدر عدد أفرادها بمليون نسمة, و أسكنهم في السهول المحيطة بمعاقل العلويين من جبال طوروس إلى جبال عكار,و لا تزال بقاياهم في هذه البقعة حتى  اليوم, و سلطهم على العلويين المحاصرين في جبالهم بغية إفناء هذا الشعب عن بكرة أبيه, و هي فكرة خبيثة كانت ترمي إلى غرضين في وقت واحد, أولهما: تتريك هذه البلاد ,و ثانيهما: القضاء على العلويين, و قد فشل الغرضان في هذه البلاد, و لكنهما نجحا في الأناضول حيث احتشد فيها بعدئذ الملايين من الترك و الأرمن و الأكراد.

و قد استطاع السلطان سليم أن يحشر العلويين السالمين من أذاه في هذه الجبال الوعرة الضيقة لا يستطيع أحدهم الخروج منها إلا إذا كان يفضل الموت على الحياة,فالترك محيطون بجبالهم إحاطة السوار بالمعصم و قد عمروا المدائن و استوطنوا السواحل و بثوا على منافذ الجبل العيون و الأرصاد, و كثيراً ما كانوا يهاجمون العلويين في عقل دورهم فيقتلون و يدمرون و ينهبون حتى اضطر أكثر العلويين إلى سكنى المغاور و الأنفاق, تفادياً من سيوف أولئك الأتراك الذين(كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون).

و أشد ما يؤلم المسلمين العلويين و يجرح كبرياء أنفتهم العربية أن كان ما يجري عليهم باسم الدين, و الدين من ذلك كله براء, إنما هو افتراء على الدين و أهله( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم و ويل لهم مما يكسبون).

و إذا كان العلويون اتقوا شفار السيوف بلجوئهم إلى الكهوف و المغاور فأنّى لهم اتقاء مخاوف قلوبهم التي تمثلت في خواطرهم صلالاً تنهش أحاسيسهم و مشاعرهم, و تقضّ مضاجعهم فلا تعرف الراحة و الاطمئنان سبيلاً إلى قلوبهم, و لا الهدوء و الاستقرار منفذاً إلى أفكارهم, فهم في مأمنهم خائفون و حيث كانوا معذبون, قذف في قلوبهم الرعب و امتلأت نفوسهم خيفة , و تقطعت بهم الأسباب و سدت في وجوههم المذاهب تتنازعهم الحسراة و تعتورهم الخطوب و الملمات, فمثلهم مثل طير وقع في أحبولة صائد كلما حاول التخلص أطبقت عليه خيوط الأحبولة و زادت به تعلقاً فلا نفسه النزاعة إلى الحرية ثابتة إلى الهدوء و لا حبال الشبكة  مكنته من الإنطلاق فلم يزل في مد وجز إلى  أن خارت قواه و ضعف عن الحركة فأغمض عينيه و استسلم لمدية الصياد.

و من تبين بعين الإنصاف مبلغ ما مُني به العلويون في تلك الأدوار المظلمة من مظالم تأبها الأذواق السليمة و تستنكرها الضمائر الحية, عذرهم على ما وصلت إليه حالهم و أكبر فيهم صبرهم و صمودهم لتلك العواصف الهوج التي كانت تتنازعهم صباح مساء, فقد حيل بينهم و بين ما يشتهون كأن لا خلاق لهم في ملذات الحياة الدنيا و مترفاتها, و أبعدوا عن المدينة و الاجتماع كأن لا وجود لهم في خارطة الوجود, و سكنت دورهم و صودرت أملاكهم و نهبت أموالهم فلا حول لهم على درء شيء من هذا كله و لا قوة, و بحكم ما نزل بهم من كوارث و ما ألمّ بهم من نوازل و لبعدهم عن المدينة و الاجتماع و انزوائهم في الغابات و الكهوف, تأخروا في ميادين الثقافة العامة و تفشى فيهم الجهل و الأمية, و سادهم التزمت و الانكماش و زين لهم حب الحياة إيثار العزلة فألفوا الوحدة, و استسلموا للاستكانة و غضوا أبصارهم عما يحاك لهم من دسائس و أصمّوا أذانهم عما يسمعونه من تهم توجه إليهم و أكاذيب تلفّق عليهم, فلا يقابلون ذلك كله إلا بهز الكتف كأن الأمر لا يعنيهم, أو كأن غيرهم المقصود بتلك الأراجيف و التخرصات.              

             العشائرية و أثرها في العلويين

 

و أشد ما ينكأ جراح النفوس و يدمي متحجرات القلوب ما انتابهم في داخليتهم, ألا و هو انقسامهم على نفوسهم عشائر, بسبب أنهم من قبائل متفرقة و من بيئات مختلفة, الأمر الذي أخضعهم لعادات عشائر البدو فألقوا مقاليد أمورهم و سلموا شأن تصريف أحوالهم إلى رؤساء أمروهم عليهم, و أولوهم حل مشاكلهم و إصلاح ذات بينهم شأن أحكام العرب القبائلية, و لكن يالهول المصيبة فلقد تولى أمرهم من لايهمه أمرهم, و في وقت كانوا أحوج ما يكونون إلى الإخاء و التضامن و نبذ الفوارق, أخذ أولئك الرؤساء يناوئ بعضهم بعضاً و يعمل كل منهم بما يراه من مصلحته, و يحكم هواه في عقله و يسير نزعاتهم و يسير قومه برغائبه و يبث فيهم روح الكراهية لإخوانهم أبناء العشائر الأخر غير آبه لما يؤول إليه حال الجماعة و لا مفكر بمصير الشعب القائم على تصريف أموره المسئول عنه أمام العدالة الإلهية,بحكم السنة المقدسة,( كلكم راع و كل راع مسئول عن رعيته).

أين المنتهون و قد تغلغل في نفوسهم حب الذات و استولى عليهم سلطان الغرور و استبد بهم إيثار الغلبة, فاندفعوا يتخطفون صالح الشعب بأسنة مصالحهم, و يتجاذبون حقوقه بأيدي أطماعهم, يفتحون بينهم لأتفه الأمور و أحقرها باباً للخلاف قصد الاستئثار بمرافق الشعب و مقدراته.

همّ كل منهم إقامة بناء مركزه, و لو على الرؤوس و الجماجم, ضارباً بمصلحة الأمة عرض الحائط, إلى أن كان من جراء هذا التوجيه الفاسد أن أخذ العلويون يغزو بعضهم بعضاً و يسلب بعضهم أموال بعض, و كثر بينهم النهب و عمت الفتنة و اضطرب حبل السفينة و ربانها مخمور تتقاذفه و من معه أمواج الجهل و تعصف بهم ريح الأحقاد, مما جعل أمر إصلاحهم متعذراً و الأمل بنجاتهم ضعيفاً, كل ذلك و هم في غفلة عن أنفسهم و عن المجتمع الذي يرقبهم و هم عنه معزولون, فهو بين راحم لا تتعدى رحمته قلبه, يؤلمه ما هم فيه و عليه و لكن لا يرفع لإصلاح أمرهم صوتاً و لا يمد لتقويم أو دهم يداً, و بين ناقم يتشفى بمصارعهم و يعبث بمصالحهم, و ترتاح نفسه لتخاذلهم و يشجع روح التفرقة فيهم و ينظر إليهم بعين الساخر المحتقر نظرة العزيز إلى الذليل, و لا تربأ به حياة ضميره عن تسفيه أحلامهم و القول بتكفيرهم رغم معرفته بسر تأخرهم و أسباب انحطاطهم, مستهيناً بتقاليدهم التي إذا شكروا على شيء ما في ذلك الوضع السيئ فقد يشكرون على محافظتهم عليها, لأن احتفاظ الأمم بتقاليدها في كل زمان و مكان أكبر العوامل التي تصون كيانها القومي و تساعدها على استرجاع مكانتها المسلوبة,و قد يقول بعض المفكرين(أن الأمة المحكومة التي تحافظ  على لغتها تشبه السجين الذي يمسك بيده سجينه) فكيف بمن تحتفظ بلغتها و دينها و تقاليدها.

لقد اجتاز العلويون في أدوارهم الماضية أدهى و أمرّ ما تجتازه طائفة محكومة في مراحل حياتها, أهواء تتنازعهم و أدواء تصارعهم و جهل يفتك بهم و أمية تسودهم و حوادث مؤلمة تلم بهم و كوارث تنتابهم,و كلما نزلت بهم نازلة تضاءلوا أمامها و استكانوا لها و ازدادوا انكماشاً على أنفسهم و ابتعاداً عن المجتمع فيزداد المجتمع منهم نفوراً و عنهم بعداً و عليهم نقمة و بهم استهانة, و هم عما يعروهم لاهون مشغولون بأنفسهم عن تدارك أمرهم صابرون على بلائهم, مستسلمون لمشيئة القدر فيهم محتفظون بلغتهم العربية و دينهم الإسلامي و تقاليدهم القومية الموروثة و بأصولهم و أنسابهم العريقة, إلى ما قبل قرن و نيف, حيث انبعثت في نفوس بعض قادتهم روح اليقظة و التفكير, فعملوا ما في وسعهم للإنعاش و الإصلاح.

و لما كانت الحرب العالمية الأولى و دخول الكثير من رجال العلويين معاركها الطاحنة في شتى الأصقاع و الأنحاء و في أغلب ميادين القتال عن طريق السوق الإجباري تحركت فيهم نخوتهم العربية و انتعشت في نفوسهم عزتهم القومية الأولى, و طاروا بأرواحهم إلى ماضيهم البعيد, حيث رأوا ذواتهم بمرآة و الكرامة لا على عدسة التلاشي و الخمول.

 

          ثورة العلويين ضد الاستعمار الفرنسي

 

لما دخل الأجنبي الغاشم هذه البلاد منتدباً عليها كان أحرار العلويين في طليعة من أنكره و استنكر انتدابه, و كانت أول الثورات في الأمة ثورة العلويين التي نشبت في شهر أيار سنة(1919م) بقيادة المجاهد(الشيخ صالح العلي) و مؤازرة لفيف من وجهاء الشعب و قادته و كثير من رجال الجهاد و التضحية, من مختلف أبناء العشائر العلوية, الذين وقفوا في وجه الاستعمار صفاً واحداً متراصاً و أقاموا من صادق وطنيتهم سداً حصيناً بين المستعمر و أمانيه, متعطشين للحرية مستهينين في سبيلها بكل شيء متناسين تفرقتهم بغية الحصول على سيادتهم, مبدأهم الإيمان بالله و الوطن,و غايتهم تطهير البلاد من رجس المستعمرين, يدفعون بقوة إيمانهم كثرة عدوهم و يفلون بجميل صبرهم سلاح خصومهم,يستمدون قوتهم من صدق نيتهم في الجهاد و يستوحون عزمهم من قداسة ما يجاهدون في سبيله يقدمون أرواحهم أضاحي على مذابح السيادة قرابين لله و الوطن, يحثهم شعورهم بالواجب الوطني المقدس و يستصرخهم دم أجدادهم الزكي الناضح بأرج الحرية و عبير الكرامة, فيستجيبون لصرخته بقلوب لا تعرف الخوف و نفوس لا يتسرب إليها الجبن, ينفضون عن جباههم غبار الذل العالق بهم من مخازي الأجيال الماضية,و ينتقمون من كل دخيل على البلاد مستهين بحقوقها و كرامتها, يقاتلون بعقيدة و صبر و يمدهم إخوانهم في الداخل بشيء من الأسلحة و الذخائر, و يأتيهم الشيء الكثير من غنائم حملات العدو المدحورة بين أيدي مقاتلتهم, و قد اشتهرت هذه الثورة ببسالة رجالها المجاهدين الأحرار و بإنهاك الفرنسيين و إهلاك كثير من قواتهم, مما اضطر السلطة العسكرية الفرنسية إلى تجهيز قوات كبيرة لمطاردتها, فقامت في شهر حزيران سنة (1921م) آخر معركة في القدموس دارت فيها الدائرة على الثورة و انتهت بانتصار الفرنسيين و قيام الحكم الانتدابي في البلاد.

 

    الحكم الانتدابي و عمل أحرار العلويين للإطاحة به     

 

نزل العلويون عند حكم الواقع و لكنهم غيرهم بالأمس, إذ انطلقوا من عقال العزلة و انفلتوا من قيد التزمت و انتظموا في سلك المجتمع, و تنسموا أرج الحرية المنعش فتاقت إليها نفوسهم و طارت أرواحهم في أجوائها تفيء إلى ظلالها الوارفة, و تستضيء بأنوارها المتألقة, و لكن أنّى لهم ما يرجون, و العدو الرابض على كرسي الحكم في البلاد لا يعلهم من ماء الحرية العذب إلا بمقدار ما تقتضيه مصلحته و يتمشى مع رغائبه, لقد أقام في البلاد عدة دول اصطنع بينها الحدود الواهية و وضع لها الأنظمة المغايرة, تجزئة للبلاد الواحدة و تفريقاً بين أبناء الأمة الواحدة تنفيذاً لخطته المرسومة على قاعدة(فرق تسد).

و من تلك الدول الكثيرة ما اسماه(دولة العلويين المستقلة) التي جعل من قيامها مثاراً للعصبيات الأثيمة و مبعثاً للطائفية البغيضة, و من إنشائها ريحاً تمزق صفوف أبنائها الذين أجمعوا على مقاومته و التقوا على صعيد واحد في إنكاره و استنكاره, و لكنه ما لبث أن عرف من أين تؤكل الكتف, درس نفسيات رجال البلاد و انتهى إلى دخائلها فوجد من بعضها ما تنمو فيه فساده- و هذا ما تصبو إليه نفسه- فبذرها, و أقام على حراستها أمناء من رجاله يتعاهدونها بماء غوايتهم و أحاطوها بجدران من محاسيبهم عوناً على حمايتها و عيوناً على مستأصليها, أضفوا عليهم الألقاب و منحوهم الأوسمة جزاء ما بثوه في الأمة من تفرقة و أكثروا في البلاد من الفساد.

تلك الفئة المرتزقة التي عملت لإنعاش حياة الروح الفردية, و فقدان التضامن الجماعي, أولئك الرجال الذين كان ينصبهم متى شاء و يعزلهم متى شاء, اتخذ منهم مطايا لأغراضه الخبيثة و استخدمهم في تنفيذ مآربه السيئة و أقام منهم سدوداً تتكسر على صلد صفوانها فشار السيوف الحداد, سدوداً مستعصية إلا على عشاق الحرية أحياء النفوس و الضمائر, و كلما ازدادت الحال في البلاد تأزماً من جراء أعمال أولئك الأثمة المأجورين ازدادت نفس ذلك الدخيل ابتهاجاً و خده تصعراً و أطلق يديه بالهبات لصنائعه و محاسيبه من أموال البلاد و مقدراتها, مستهيناً بواجبات الأمة و منتهكاً حرمات حقوقها,فتململ أحرار العلويين الذين يرون الموت في سبيل تحقيق أماني البلاد حياة خالدة و الذل ابتغاء القيام بالواجب عزاً دائماً, و تميزت نفوسهم غيظاً من أعمال ذلك الدخيل الذي عاث في البلاد فساداً, و سقى القلوب ناراً, فعزموا على إحباط مساعيه ببث روح الإخاء و التضامن بين أفراد الشعب و إيجاد فكرة التعاون بين طبقات الأمة, و لكن أمناءه المستشارين الذين كانوا عن طريق عملائهم يرقبون حركات أولئك الأحرار و سكناتهم و يحصون عليهم أنفاسهم ضربوا على أيديهم و جردوهم من كل قوة إلا قوة الإيمان بمبادئهم المقدسة مبادئ الحرية و المساواة التي طالما نادوا بها و دعوا إليها و عملوا في البلاد لنشرها.

و لما رأوا أن الوقت لم يحن و أن لابد من التريث, إذ(الأمور مرهونة بأوقاتها) (و لكل أجل كتاب) وقفوا يتربصون بعدوهم و عدو البلاد الدوائر, و يهتبلون الفرص للإيقاع به, إلى أن كان عام(1936م) حيث نهضت الأمة مطالبة باستقلالها, فنهضوا مجيبين داعي الوطن و ملبين نداء الواجب القومي تبعثها أقلام كتَّابهم على متون الصحف صرخة مدوية في شرق الأرض و غربها, طلباً للسيادة و الاستقلال و ترسلها خطباؤهم أصواتاً مجلجلة في الأجواء نشيداً للحرية, و يسكبها مفكروهم فِكرَاً في النفوس و الخواطر و نوراً وضاء ينير الطريق أمام سواد الشعب فينطَلق سيلاً متدفقاً يتخطى صدور المصاعب و يذلل العقبات و يستهين بالسجون و يستخف بالأضرار التي يلحقها به أعداء البلاد الحاكمون إلى أن أنال الله سبحانه الأمة على صبرها نصراً,و على جهادها أجراً فمنحها حريتها كاملة و وحدتها شاملة, و حقق لها أمانيها بجلاء آخر جندي أجنبي عن أرضها, و ضاعف البارئ تعالى من أنعامه عليها و إحسانه إليها أن قيَّض لها من أبنائها المخلصين و أحرارها المجاهدين رجال عمل و إخلاص و دعاة وحدة و إخاء في العرب نظروا إلى المستقبل بأبصار حادة و بصائر نفاذة فهداهم سمو تفكيرهم و بعد نظرهم لمد أيديهم إلى رائد القومية باعث نهضتها, لا بل علمها الخفاق و مشعلها الوقاد, الرئيس(جمال عبد الناصر) فتوَّحد القطران الشقيقان, و تلاقى الأخوان المتباعدان, و لنا كل الثقة بالله سبحانه أن يحقق لنا على يد هذا الرئيس المفدى, و إخوانه العاملين معه بإخلاص و تضحية لتوحيد العرب كافة, أمنيتنا الغالية ة أنشودتنا المحببة, ألا و هي نصر القومية العربية و وحدة أبناء الضاد من الخليج إلى المحيط خفاقاً علم وحدتهم في سماء المجد و السيادة, عالية كلمتهم في دنيا الرقي و الحضارة, هذه الوحدة التي هي كل ما ننشده و غاية ما نتمناه لا نرضى بها بدلاً و لا نبغي عنها حولا.