Make your own free website on Tripod.com

 

                      تعريف العلويين

 

ألحقت بالعلوي ياء النسبة على التبعية ,إذ أنها كما لا يخفى نسبة ولائية طبيعية ,وعلى هذا فكل امامي منتسب بولائه للامام علي عليه السلام فهو علوي ,ذلك الولاء المقدس المنبثق عن قول النبي صلى الله عليه و آله و سلم في غدير خم و قد جُعل له من أغصان الدوج مرتفع فارتقاه و خطب الناس فقال بعد كلام طويل و الكل شهود0

(من كنت مولاه فعلي مولاه,اللهم وال من والاه, و عاد من عاداه,و انصر من نصره ,واخذل من خذله) وعلى هذا المورد القدسي يلتقي كل شيعي مهما اختلفت نزعته و بعُد منبته,إذ لابد للفرع من اللحاق بالأصل ,و مما لا ريب فيه انه أصل مذهب التشيع و عليه بنيت قواعده,و لهذا المذهب أحكامه و مآخذه و لتابعيه مجتهدون ثقات تفاضلت رتب معارفهم0

الأمر الذي أدى إلى انقسام هؤلاء التابعين على أنفسهم فرقاً تبعاً لتعدد مجتهد يهم و تفاوت مدارك عقولهم في القضايا الفقهية,و كانقسام المسلمين كافة إلى سني و شيعي لاختلافهم في بعض أحكام الدين الفرعية,و انقسام أهل السنة إلى مذاهب أربعة تبعاً للأئمة الأربعة ,و لولا إغلاق باب الاجتهاد عندهم لكثر مجتهد وهم و تعددت نزعات تابعيهم شأن إخوانهم الشيعة0

وما من غرضنا في هذا المقام البحث في الخلاف و المختلف به,و إنما لنقيم الدليل على أن الفرقة العربية المشهورة بنسبتها الولائية العلوية,هي إحدى تلك الفرق المسلمة الشيعية0

و رب قائل لمَ تفرد العلويون بهذا الاسم دون غيرهم من الشيعة و هل كانوا يعرفون به قديماً أم أن الأجنبي عرفهم به,فأقول له:

لا يتطرق الشك إلى قلب عاقل في علوية كل شيعي امامي,و إن تعددوا فرقاً و بعدوا منبتاً,إذ ليس التشيع إلا موالاة أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام. و الأصل في تفرد هذه الفرقة (العلويين) بحمل هذا الاسم هو حملهم ما منوا به و أوذوا وحدهم دون إخوانهم الشيعة في سبيل صدق ولائهم لأئمة الحق من مرارة التشريد و الإقصاء عن المدينة و الاجتماع,و وحشة سكنى المغاور و الأنفاق,و بحملهم مشاق الحياة و شظف العيش وقسوة أحكام الحكام الشعوبيين,مما اضطرهم إلى الانزواء في هذه الجبال الوعرة الضيقة ,و اتخاذها مدخلات,حتى أصبحت بعد حين من الدهر تشاطرهم حمل هذا الاسم و يضحي أداة تعريف لها,فهي اليوم تعرف بجبال العلويين.هذه العوامل و الأسباب مجتمعة و منفردة بعض ما صان لهم شرف الانتماء إلى هذا النسب الولائي المقدس و حفظ لهم حق التفرد به.

و لم يكن عرفان العلويين بهذا الاسم هدية من الأجنبي إليهم,أو منه منَّ بها عليهم كما يزعم المرجفون و أصحاب الأغراض السيئة,و إنما هو اسمهم الذي كانوا به يعرفون قديماً,إذ لا جدل أن علويي اليوم هم أحفاد أولئك العلويين القدماء الذين زانوا مفرق الأمة العربية بأكاليل من غار انتصاراتهم على الروم أيام الدولة الحمدانية,و الذين كانوا يرفون به آنذاك تمييزاً بينهم و هم أنصار الأئمة من أبناء  

علي(ع) و بين أنصار الخلفاء العباسين,ولا اعتقد أن مطلعاً على ما في بطون السير و التاريخ يخامره أدنى شك في علوية الحمدانيين وأشياعهم و معرفتهم آنذاك بهذا السم,و ما زال أحفادهم يعرفون به إلى أن سلبهم ساسة الجور علن انتسابهم إليه بعد ظهور مذهب النصيرية,و استبدلوهم به اسم النصيريين سيراًعلى خطة الطعن و التجريح التي اعتادوا سلوكها حيال هذه الفئة العربية المؤمنة بحق آل بيت نبيها,بغية عزلها عن إخوانها الشيعة,و تبريراً لأعمالهم الوحشية معها و تمكيناً لهم في الأرض  على حساب ظلمهم و إرهاقها,و لقد تم لهم ما أرادوا,فرقوا بين العلويين و بين إخوانهم الاماميين,و ألزموهم اسم النصيريين رضوا أم أبوا,و أفاضوا بدعوتهم به حتى أمسى اسمهم الذي به يدعون,و علمهم الذي به يعرفون,إلى أن كانت الحرب العالمية الأولى و أخذت شمس الحرية تنشر خيوط أشعتها على عالم الكون مؤذنة بمحو ظلم الاستعمار و قطع دابر المستعمرين,فهب العلويون لمقاومة (فرنسا) حجر الزاوية في بناء الاستعمار الغاشم ويلحون بوجوب تعريفهم باسمهم الحقيقي ( العلويين ) مما اضطر الفرنسيين إلى إعلان دعوتهم به.

و من البد يهي أن الأجنبي إذ اعترف – مرغماً- باسمهم فعلى نية مبيتة بالشر و قلب مليء بالخبث و الضغينة,ولم يقصد- جرياً على سياسته المبنية على قاعدة( فرق تسد ) -  إلا إحياء أراجيف سلفه الشعوبيين أعداء العروبة و الإسلام,من تفكيك أجزاء الوحدة الإسلامية و فصم عراها و تفريق جماعتها,      

( استنكاراً في الأرض و مكر السيئ و لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ). و لكن الله سبحانه حفظ للأمة وحدتها و صان لها كيانها و رد كيد الظالم إلى نحره.

فمما سبق وضحت أسباب تفرد العلويين بهذا الاسم و قدم عرفانهم به,و دحض المزاعم بتعريفهم به من قبل الأجنبي,و تبين أن لا فضل عليهم بإعادة اسمهم إليهم,إذا كان الزمن عاد فسمح لهم بمسايرة ركبه بعد أن أسلمهم للانزواء و حال بينهم و بين الانطلاق في ميادين التقدم أمدا طويلاً.

و ها هم أولاء ما إن سلكوا مناهج الحياة الحرة محتفظين بلغتهم و دينهم و أنسابهم و تقاليدهم حتى اقر العالم بوجودهم واعترفوا باسمهم.

و لكم يسرني و أنا أحد أفراد هذه الفرقة في عهد الحرية و الطمأنينة أن أكتب عنها بوضوح و جلاء.

 

         

 

 

                  دين العلوي و مذهبه

 

الدين في العرف اللغوي يأتي على معان كثيرة نجتزي بأربعة منها التوحيد,قال تعالى :( ألا لله الدين الخالص ) أي التوحيد الخالص, الجزاء, قال تعالى:(مالك يوم الدين ) أي يوم الجزاء, الحكم, قال تعالى:( و لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله)  أي في حكم الله, الطاعة, قال تعالى:( و له الدين واصباً ) أي الطاعة دائماً. و الدين في الاصطلاح الشرعي هو ما شرعه سبحانه و تعالى لعباده من شرعة أو منهاج على لسان رسول كريم,و قد ينحصر الدين في قضايا خمس,(1)معرفة الخالق (2)معرفة المبلغ عنه (3) معرفة ما تعبد به و العمل به (4) الأخذ بالفضيلة و رفض الرذيلة (5) الاعتقاد بالمعاد و الدينونة. وهذه القضايا الخمس يجمعها الإسلام الذي أكمل به الباري الأديان الإلهية و حصر تعريفها به بقوله تعالى:( إن الدين عند الله السلام ) (سورة آل عمران) و الإسلام شرعاً, هو الإقرار بالشهادتين و الالتزام بأحكام الشرع, و لغة, هو الطاعة و الانقياد, و لقد عرفه أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام ,بقوله: ( لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها احد قبلي ,الإسلام هو التسليم, و التسليم هو اليقين, واليقين هو التصديق, و التصديق هو الإقرار, و القرار هو الأداء, و الأداء هو العمل فهو بهذا يشمل اعتقاد العباد و أفعالهم, ة الإسلام و الإيمان مترادفان و يطلقان على معنيين  (أعم و أخص ) و يعتمد المعنى الأعم على ثلاثة أركان, التوحيد, و النبوة , و المعاد ,  ( من آمن بالله و رسوله واليوم الآخر ) فمن دان بتوحيد الله و نبوة خاتم النبيين محمد(ص)و اعتقد بيوم الجزاء فهو مسلم حقاً له ما للمسلمين و عليه ما عليهم و من أنكر ركناً من هذه الأركان الثلاثة فليس بمسلم و لا مؤمن , و يعتمد المعنى الأخص على الأركان الثلاثة المذكورة و على ركن رابع هو العمل بدعائم الإسلام الخمس و هي : الصلاة , و الزكاة , والصوم , و الحج , و الجهاد , ( من آمن بالله و رسوله وعمل صالحاً ) وهذا المعنى هو الإيمان المعرف بقول أمير المؤمنين (الإمام علي)ع, ( الإيمان اعتقاد بالجنان , و إقرار باللسان , و عمل بالأركان). فتبين أن ما ورد في الذكر الحكيم من الإيمان بالمعنى الأعم و هو ما يراد به الاعتقاد فقط كان إسلاماً, و ما ورد في الذكر من الإيمان بالمعنى الأخص و هو ما يشتمل على الاعتقاد و العمل كان إيماناً , و على هذا فكل مؤمن مسلم و ليس كل مسلم مؤ مناً    والأصل في هذا التقسيم قوله تعالى : (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا و لما يدخل الإيمان في قلوبكم )( سورة الحجرات) و قد زاده تعالى إيضاحاً بقوله الحق : ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله و رسوله ثم لم يرتابوا و جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون )(سورة الحجرات) و هذه حجة تقطع بان الإيمان , قول, و يقين, و عمل .

 

 

 

فدين العلوي التوحيد المحض و تنزيه الخالق عن كل مشابهة للمخلوق , و الإقرار بنبوة سيد الرسل محمد(ص) و الاعتقاد بالمعاد , و العمل بدعائم الإسلام الخمس , و يتفق و جميع الشيعة الامامية على زيادة ركن  خامس على هذه الأركان الأربعة التي هي أصول الإسلام و الإيمان بالمعنى الأخص عند جمهور المسلمين , ألا و هو الاعتقاد بالإمامة , يعني إن العلوي يعتقد أن الإمامة منصب الهي يختار الله لها من يشاء اختياره للنبوة و الرسالة , ( وربك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة ) و كما أن تأييد النبي بالمعجزة نصّ عليه من الله , فالبارئ سبحانه يأمر نبيه بالنص على من ينصبه إماماً للناس من بعده , للقيام بالوظائف التي كان يقوم بها النبي سوى أن الإمام لا يوحى إليه ,( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) والفرق بين النبوة و الإمامة واضح جلي , و هو أن النبي يبلغ ما ينزل إليه وحياً من ربه و الإمام يبلغ ما يتلقاه من النبي مع تسد يد الهي , فالنبي مبلّغ عن الله و الإمام مبلغ عن النبي . و الأئمة عند العلويين اثنا عشر كل سابق ينص على اللاحق , و الاعتقاد بعصمتهم شرط في صحة إمامتهم و إلا لزالت الثقة بهم , و أولهم آخر الأوصياء لآخر الأنبياء , الإمام علي المرتضى , فالحسن المجتبى , فالحسين شهيد كربلاء , فعلي زين العابدين ,فمحمد الباقر ,فجعفر الصادق , ( و إليه ينسب فقه أهل البيت ) فموسى الكاظم , فعلي الرضا , فمحمد الجواد , فعلي الهادي فالحسن العسكري , فمحمد بن الحسن المعروف بالمهدي القائم المنتظر حجة العصر و الزمان , صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين .

 و العلوي شديد التمسك بولائه حريص على الاعتقاد بأنهم أمناء الله في أرضه, و خزنة علمه, و حججه على خلقه, و أنهم أئمة معصومون. و ( عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون ) ما ضل من تمسك بهم , و لا زل من استضاء بنورهم , أخذاً بالنصوص الواردة الصريحة , و الأحاديث الثابتة الصحيحة , عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم إذ أهاب في الجاهلين و صرخ في الغافلين , فنادى:( يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا , كتاب الله و عتر تي  أهل بيتي ) . و قال صلى الله عليه و آله و سلم  ( إني مخلف فيكم الثقيلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي , ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي ), و قال صلى الله عليه و آله و سلم:( إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي, كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض , و عترتي أهل بيتي لن يغترفا حتى يردا عليَّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما ) و قال صلى الله عليه و آله و سلم : ( مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق, و إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له ). و الأحاديث الآخذة بالأعناق إلى أهل البيت و تضطر المؤمن إلى الانقطاع في الدين إليهم أكثر من أن تحصى

و قصارى القول فالعلوي مسلم, مؤمن يدين لله دين الحق

 دين الإسلام الذي لا مراء فيه و لا شك يعتريه, كتابه القرآن و قبلته الكعبة, يعرف ما افتراضه الله عليه في يومه و عامه و عمره, فيؤدي من ذلك ما يستطيع, يأمر بالمعروف و ينهي عن المنكر و يصلح ما أمكنه الإصلاح , و يحلل ما حلل الله و رسوله, و يحرم ما حرم الله و رسوله, لا يخاف في الله لومة لائم, يرجع في فتاويه المذهبية و مسائله الفقهية إلى أحكام مذهب الإمام ( أبي عبد الله جعفر الصادق ) عليه السلام, و من أولى من الإمام الصادق بالتأويل و معرفة أحكام التنزيل, و هو فرع شجرة النبوة و الإمام الحق ( و الحق أحق أن يتبع ) و صاحب البيت أدرى بالذي فيه. و عن هذا الإمام المعصوم يأخذ العلوي الفقه و يروي العلم و على مذهبه يقيم الصلاة

و فيه يؤلف مصنفاته. 

 

                     معتقدات العلويين

 

لا خلاف البتة بين المسلمين العلويين و بين بقية إخوانهم المسلمين في جوهر الدين و أصوله, فأصول الدين عندهم هي نفسها الأصول الخمسة عند جميع الاماميين و هي : التوحيد, و النبوة, و الإمامة, و المعاد, وفروعه تنقسم إلى عبادات و معاملات أوضحها الكثير من علمائهم في كتبهم و مصنفاتهم.

أما في أفعال العباد التي لا تخرج عن أحد ثلاثة كما عرفها أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام بقوله : (الأعمال ثلاثة : فرائض, و فضائل, و معاصي, فأما الفرائض فبأمر الله و مشيئته و برضاه وبعلمه وقدره يعملها العبد فينجو من الله بها, و أما الفضائل فليس بأمر الله لكن بمشيئته و برضاه و بعلمه و بقدره يعملها العبد فيثاب عليها, و أما المعاصي فليس بأمر الله و لا بمشيئته و لا برضاه و لكن بعلمه و قدره يقدرها لوقتها فيفعلها العبد باختياره فيعاقبه الله عليها لأنه قد نهاه عنها فلم ينته ).

في أفعال العباد التكليفية كلها يعتقد المسلمون العلويون أن الله عز شأنه خلق العبد و منحه الاستطاعة على الفعل و الترك قطعاً لعذره في ترك ما أمر به أو فعل ما ينهى عنه, و أوجده مختاراً له حرية الإرادة و المشيئة في أفعاله الشخصية فهي منه و له, لم يجبره البارئ تعالى على فعل و لا ترك بل العبد اختار ما شاء منهما مستقلاً, و لذا يصح عند العقل و العقلاء مدحه و مثوبته على فعل الخير و لومه و عقوبته على فعل الشر, و هو موكول في أعماله إلى نفسه بعد أن وضحت له الخير و الشر وَ وُعِد وَ أوعِد عليهما المثوبة و العقوبة على ألسنة الدعاة الصادقين, ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل )(سورة النساء).

و بذلك يكون العباد مريدين لأفعالهم غير مجبرين عليهما و لا مهملين, بل إنهم عنها مسؤلون و عليها محاسبون, إن خيراً و إن شراَ بدليل قوله تعالى : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراَ يره و من يعمل مثقال ذرة شراَ يره )(سورة الزلزال).

و قد يأتي العقل – إثباتا للعدل الإلهي – إلا الإقرار بوجوب تحمل العباد مسؤولية أعمالهم, و صدورها عن إرادتهم و إتيانهم إياها بمحض اختيارهم لا جبر و لا إهمال, إذ لو كانوا مجبرين لبطل الثواب و العقاب, و لا فضل لمحسن و لا مسؤولية على مسيء, و لو كانوا مهملين لانتفى الإقرار بوجود المبدع الأول و قدرته على تدبير مكوناته و قوة سلطانه عليها, و لاختل نظام هذا الكون البديع و عمت الفوضى سائر أجزائه, و لم تكن فائدة في بعثة الأنبياء و إنزال الكتب و الوعد والوعيد. و اقطع الأدلة و أقواها على منح العباد الاستطاعة على الفعل و الترك و وكول أعمالهم إليهم و إلقاء تبعاتها عليهم هو قوله تعالى : ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت )(سورة البقرة) و مما جاء في تفسيرها, لا تكلف نفس إلا ما تسعه قدرتها فضلاً و رحمة أو ما دون مدى طاقتها بحيث يتسع فيه طوقها و يتيسر عليها, كما في قوله تعالى : (يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر) (سورة البقرة) و هو يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال, لها ما كسبت من خير و عليها ما اكتسبت من شر, لا ينتفع بطاعتها و لا يتضرر بمعاصيها غيرها, و مثله قوله تعالى :   ( و نفسٍ و ما سوّاها فألهمها فجورها و تقواها )(سورة الشمس) و قد جاء في تفسيرها للقاضي (ناصر الدين البيضاوي ) عليه الرحمة, ( إن إلهام النفس الفجور و التقوى إفهامها و تعريفها حالهما أو التمكين من الإتيان بهما )

و مما لا ريب فيه إن البارئ سبحانه لا يحاسب العبد عما يخرج عن حدود سيطرته و لا يكلفه بما ليس في مقدوره, و لذا فإن الله تعالى لا يحاسب العبد على حركة قلبه و دورة دمه, و لا يسأله عن كونه طويلاًَ أو قصيراً أو غير ذلك من الأعمال التكوينية, و إنما يحاسبه على أعماله التكليفيه و هي كل ما دخل في حدود الأوامر و النواهي مخاطباً به البالغ العاقل يحاسبه لأنه لم ينفذ الأمر مع قدرته على التنفيذ أو لم يترك النهي مع قدرته على الترك, و هو بهذا مسؤول عما هو قادر على فعله أو تركه فحسب.

و لقد وضحت المحجة و قامت الحجة للبارئ سبحانه على خلقه بتعريفه إياهم سبل الخير و الشر في غير موضع من كتابه الكريم, كقوله تعالى : ( و هديناه النجدين ) أي طريقي الخير و الشر .

و من أسمى التوجيه و ابلغ الأقوال في الاستطاعة و وكول أعمال العباد إليهم و حملهم مسؤوليتهم جواب الإمام الحسن بن علي عليهما السلام, للحسن البصري و قد كتب إليه يسأله:

أما بعد, فإنكم معشر بني هاشم الفلك الجارية و اللجج الغامرة و الأعلام النيرة الشاهرة, أو كسفينة نوح التي نزلها المؤمنون و نجا فيها المسلمون, كتبت إليك يا ابن رسول الله عند اختلافنا في القدر و حيرتنا في الاستطاعة, فأخبرنا بالذي عليه رأيك و رأي آبائك عليهم السلام, فإن من علم الله علمكم و أنتم شهداء على الناس و الله شاهد عليكم ذرية بعضها من بعض و الله سميع عليم, فأجابه الإمام الحسن المجتبى عليه السلام :

 بسم الله الرحمن الرحيم وصل إلي كتابك و لولا ما ذكرته من حيرتك و حيرة من مضي قبلك إذاً ما أخبرتك, أما بعد فمن لم يؤمن بالقدر خيره و شره إن الله يعلمه فقد كفر, و من أحال المعاصي على الله فقد فجر, إن الله لم يطع مكرهاً و لم يعص مغلوباً و لم يهمل العباد سدى من المملكة بل هو المالك لما ملكهم و القادر على ما عليه أقدرهم, بل أمرهم  تخييراً و نهاهم تحذيراً, فان ائتمروا بالطاعة لم يجدوا عنها صاداً, و إن انتهوا إلى معصية فشاء أن يمن عليهم بان يحول عنها بينهم و بينها فعل و إن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبراً و لا ألزموها كرهاً, بل منّ عليهم بأن بصرهم و عرفهم و حذرهم و أمرهم و نهاهم, لا جبلا على ما أمرهم به فيكونون كالملائكة و لا جبراً على ما نهاهم عنه, و لله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين, و السلام على من اتبع الهدى )

و أراني غير محتاج إلى التنبيه على جلالة هذا القول الفصل و فخامة معانيه و وضوح حجته بمنح العباد استطاعة الفعل و الترك و تحميلهم مسؤوليات أعمالهم, و من تدبر ما جاء فيه تنبيه فيضاً قدسياً من أنوار الحق المشرقة في بلاغة أمير المؤمنين علي عليه السلام, إذ يقول – و على ما يقول يعتمد اعتقاد المسلمين العلويين بنفي الجبر و الإهمال و منح العباد القوة على أفعالهم و وكولهم فيها إلى نفوسهم فعلاً و تركاً بعد الوعد و الوعيد – ما نصه : ( إن الله سبحانه أمر عباده تخييراً و نهاهم تحذيراً و كلف يسيراً و لم يكلف عسيراً و أعطى على القليل كثيراً و لم يُعص مغلوباً و لم يطع مكروهاً و لم يرسل الأنبياء لعباً و لم ينزل الكتاب عبثاً, ولا خلق السموات و الأرض و ما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار )

و أي من كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد يتدبر هذا القول الحق و لا يشهد أن المخيّر غير المجبر و المحذر غير المهمل و أن العدل جار في الخلق فلا يكلفون عسيراً, و لم يكن بعث الرسل و إنزال الكتب إلا إصلاحاً لشؤون العباد و تنظيماً لأحوالهم, ( افحسبتم إنما خلقناكم عبثاً و إنكم إلينا لا ترجعون)(سورة المؤمن).

و من أوجز النصح و ابلغ الحجة في هذا الباب قول أمير المؤمنين عليه السلام, لمن يرى القضاء و القدر بمعنى الجبر فيخاطبه بحكمته البالغة و توجيهه السامي ليفيء به إلى طلال العقل و نعمة الهداية, ( لعلك ظننت قدراً لازماً, و قضاء حتماً, لو كان كذلك, لبطل الثواب و العقاب و سقط الوعد و الوعيد و الأمر و النهي, و لم تأت لائمة من الله لمذنب و لا محمدة لمحسن, و لم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء و لا المسيء أولى بالذم من المحسن )

و هذا القول غني عن البيان و التبيين لان الحق يحمل في نفسه دليل حقيقته, و لولا ما ورد عن أئمة العصمة أهل بيت الحكمة في حل مشكلة القضاء و القدر لظلت الأبصار و البصائر حاسرة حائرة أمام هذا الباب المغلق الموصد, أما و قد أناروا السبيل و أقاموا الدليل على مطابقة القضاء و القدير للعدل الإلهي الشامل فقد وضحت المحجة و قامت الحجة و ظهر الحق و حق اليقين بان لا جبر و لا إهمال, بل منزلة بين منزلتين. يوضح هذا ما جاء في كتاب ( مختصر بصائر الدرجات ) للشيخ ( حسن الحلي ) قال: بالإسناد عن غير واحد, عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليهما السلام, قالا: إن الله عز و جل ارحم من أن يجبر خلقه على الذنوب ثم يعذبهم بها, و الله اعز من أن يريد أمراً فلا يكون, قال: فسئلا عليهما السلام هل بين الجبر و التفويض منزلة ثالثة, قالا: نعم, أوسع مما بين السماء و الأرض.

و من تمقّل بعين بصيرته ما مر معنا في هذا المعنى, عن أمان هذه الأمة و باب حطتها تبنيه- و لا ريب- دليلاً قطعياً على صحة معتقد العلويين بشمول العدل الإلهي  كل كائن و مكوّن, و استبان- بمقتضى هذا العدل- تحمل العباد مسؤولية أعمالهم و إتيانهم إياها بمحض اختيارهم لا جبلا على الطاعة و لا جبراً على المعصية, و استشف من خلال ذلك معنى القضاء و القدر و هو إن البارئ سبحانه و قد أحاط سابق علمه في ما يكون من عباده و ما يحدث لهم من خير و شر و إيمان و كفر و طاعة و عصيان و إساءة و إحسان, فكتب و صور أعمالهم و أحوالهم في لوح القضاء, و لعلمه في ما يجري لهم و عليهم قدره لوقته, كالعلم في حدوث أمر ما على شخص ما في يوم كذا بسبب كذا,فكان ما علمه من أعمال خلقه و أحوالهم و رسمه في لوح القضاء و قدره في وقته الموقت له هو القضاء و القدر, لا على أن علم البارئ تعالى بأفعال عباده و أحوالهم قبل كونها, و رسمه إياها في لوح القضاء و تقديره إياها في الموقتة لها يكون  قضاء حتماً عليهم بفعلها, بل إثباتاً لقدرته تعالى على كل كائن و مكون و إحاطته علماً بكليات الأشياء و جزئياتها. يؤيد هذا القول و يوضحه ما ورد في كتاب ( مختصر بصائر الدرجات ) للحلي, بالإسناد إلى الصدوق محمد بن علي بن الحسين عن أبيه قال: حدثنا محمد بن عبد الله عن القاسم بن محمد الأصفهاني عن سليمان بن داود المنقري عن سليمان بن عيينة عن الزهري, قال: قال رجل لعلي بن الحسين عليهما السلام, جعلني الله فداك, أبقدر يصيب الناس ما يصيبهم أم بعمل, فقال: إن القدر و العمل بمنزلة الروح          و الجسد فالروح بغير جسد لا تحس و الجسد بغير روح صورة لا حراك لها, فإذا اجتمعا قويا و صلحا, كذلك العمل و القدر, فلو لم يكن القدر واقعاً على العمل لم يعرف الخالق من المخلوق و كان القدر شيئاً لا يحس, و لو لم يكن العمل بموافقة القدر لم يمض و لم يتم.

و هذا القول يفيد و يكاد يقطع بأن القدر هو علم البارئ السابق للأشياء قبل وقوعها و تقديره إياها في أوقاتها الموقتة لها, و في ذلك تمييز بين الخلق و الخالق, و بموافقة العمل للقدر يمضي أمر الله تعالى و تنفذ مشيئته في عباده, و المشيئة قد تكون مشيئة حتم كمشيئة خلق البارئ سبحانه عباده و تكوينه إياهم على ما هم فيه و عليه, طولاً و قصراً و فصاحة و عجمة و بياضاً و سواداً, و غير ذلك من الصفات الجارية فهو واقع لا محالة, و قد تكون مشيئة علم و تخلية بين العباد و أفعالهم بعد أن يوضح لهم سبيلي الخير و الشر و يأمرهم و ينهاهم و يمنحهم القوة على الفعل و الترك, إثباتاً لعدله و إتماماً لفضله, كما يخلي بين العصاة و بين معاصيهم, فإن شاء أن يحول بينهم و بينها و يمنعهم منها كان ذلك فضلاً منه عليهم و منة, و إن لم يعصمهم منها فليس هو الذي أجبرهم عليها, ومن أصدق الأمثلة و أقطع الأدلة على صحة هذا القول ما فعل مع آدم و يوسف عليهما السلام, فقد نهى آدم عن الأكل من الشجرة و ما شاء أن يخلي بينه و بين الأكل منها , و كان أكله منها سبباً لخروجه و ذريته من الجنة إلى هذه الدار و على هذه الحال و الصفة, و لو شاء لعصمه كما عصم يوسف إذ أراه برهان ربه و صرف عنه السوء و الفحشاء, فهل كان سبحانه بتخليته بين آدم و بين الأكل من الشجرة هو الذي أجبره على الأكل منها, كلا و معاذ الله, إذ لو كان ذلك كذلك لتنافى عقابه بالهبوط من الجنة و العدل الإلهي, و لكان البارئ ظالماً له, حاشى الله و أستغفر الله, و لا يظلم ربك أحد, و تأبى عليه تعالى رحمته التي وسعت كل شيء أن يجبر عبده على ذنب ثم يعذبه به.

و في معنى ذلك ما ورد في ( آمالي ) السيد المرتضى و في كتاب ( تحف العقول ) مع قليل اختلاف في اللفظ , أن أبا حنيفة النعمان بن ثابت قال: حججت في أيام أبي عبد الله الصادق عليه السلام فلما أتيت المدينة دخلت داره فجلست في الدهليز أنتظر إذنه إذ خرج صبي يدرج فقلت يا غلام أين يحدث الغريب إذا كان عندكم و أراد ذلك, فنظر إلي و قال: توقّ شطوط الأنهار و مساقط الثمار و أفنية الدور و المساجد و قارعة الطريق و توار خلف جدار و شل ثوبك و لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها و ضع حيث شئت, فأعجبني ما سمعت من الصبي و نبل في عيني و عظم في قلبي, فقلت له: ما اسمك, فقال: أنا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب, فقلت له: يا غلام ممن المعصية, فقال عليه السلام : إن السيئات لا تخلو من إحدى ثلاث, إما أن تكون من الله- و ليست منه- فلا ينبغي للرب أن يعذب العبد على ما لا ير تكب         و أما أن تكون منه و من العبد- و ليس كذلك- فلا ينبغي للشريك القوي أن يظلم الشريك الضعيف, و أما أن تكون من العبد وحده- و هي منه- فإن عفا فبكرمه و جوده, و إن عاقب فبذنب العبد و جريرته, و عليه وقع الأمر و إليه توجه النهي و له حق الثواب أو العقاب و وجبت الجنة أو النار, قال أبو حنيفة: فانصرفت و لم ألق أبا عبد الله عليه السلام و استغنيت بما سمعت. هذه الرواية بالإضافة إلى ما فيها من الدلالة على فضل الإمام و الإشارة إلى إعلان حقه بالإمامة تفيد الفائدة التامة وجوب تنزيه البارئ تعالى و تقديس ذاته العلية عن كل صفة من صفات النقص و العجز و المحال, إن الله لا يأمر بالسوء و الفحشاء, إن الله لا يظلم مثقال ذرة و إن تك حسنة يضاعفها و يؤت من لدنه أجراً عظيماً, و تقضي بثبوت حمل العباد مسؤولية أعمالهم و مجازاتهم بها, إلا أن يرحم الله, يعذب من يشاء و يرحم من يشاء و إليه تقلبون.

و الأخبار في نفي الجبر و التفويض و إثبات العدل و المنزلة بين المنزلتين مستفيضة تضيق عن استقصائها المجلدات الضخمة فأنى لهذا الموجز استيعابها, و من شاء أن يهتدي بنور العقل إلى معرفة ما أثبته النقل في هذا الموضوع فليرجع إلى رسالة الإمام الهادي علي بن محمد الجواد عليهما السلام أهل الأهواز حين سألوه عن الجبر و التفويض, و فيها ما ينفي الشك و يدفع الوهم و يوحي باليقين و يحمل على التصديق بأن لا جبر و لا تفويض و لكن منزلة بين منزلتين ألا و هي الامتحان و الاختبار بالاستطاعة التي ملكنا الله و تعبدنا بها على ما شهد به الكتاب و دان به الأئمة المعصومون الأبرار من آل بيت الرسول صلى الله عليه و عليهم أجمعين.

و لقد وضح الحق جلياً لمريديه في ثبوت صحة الاعتقاد بوكول أعمال العباد إليهم و حملهم أعباء مسؤوليتهم بقوله تعالى: (قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه و من ضل فإنما يضل عليها و ما أنا عليكم بوكيل) و الآيات البينات الشاهدة بصحة هذا الاعتقاد كثيرة في كتاب الله تعالى ليس هذا موضع استقصائها.

و يعتقد المسلمون العلويون أن ما ينزل بالعباد من مصائب و يحيق بهم من مكاره هو نتيجة ما كسبوا و جزاء ما عملوا, لثبوت اعتبار العدل الإلهي أصلاً من أصول الدين عندهم,و لأنه تبارك اسمه لا يجوز عليه الخور على خلقه (ولا يظلم ربك أحداً ). و مما يؤكد صحة هذا الاعتقاد لديهم و يزيدهم تمسكاً به ما رواه الأصبغ بن نباتة قال سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول أحدثكم بحديث ينبغي لكل مسلم أن يعيه, ثم أقبل علينا, فقال عليه السلام, ما عاقب الله عبداً مؤمناً في هذه الدنيا إلا كان أجود و أمجد من أن يعود في عقابه يوم القيامة, و لا ستر الله على عبد مؤمن في هذه الدنيا و عفا عنه إلا كان أمجد و أجود و أكرم من أن يعود في عفوه يوم القيامة, ثم قال عليه السلام, و قد يبتلي الله المؤمن بالبلية في بدنه أو ماله أو ولده أو أهله و تلا هذه الآية (ما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم و يعفو عن كثير )و ضم يده و هو يقول ثلاث مرات( و يعفو عن كثير ).

و قد أورد القاضي ناصر الدين البيضاوي رحمه الله في تفسير قوله تعالى : (ليس بأمانيّكم و لا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به )(سورة النساء) إنها لما نزلت قال أبو بكر (رضي ) فمن ينجو مع هذا يا رسول الله, فقال صلى الله عليه و آله و سلم, أما تحزن, أما تمرض, أما يصيبك اللأواء, قال بلى يا رسول الله, قال هو ذاك, و جاء في تفسير قوله تعالى ( ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك)(سورة النساء), إن ما أصابك من الصحة و السلامة و سعة الرزق و جميع نعم الدين و الدنيا فمن الله أي تفضلاً منه تعالى لأن كل ما يفعله العبد من الطاعة لا يكافئ نعمة الوجود, و ما أصابك من المحن و الشدائد و الآلام و المصائب فمن نفسك, أي بسبب ما تكسبه من الذنوب و المعاصي, و أورد البيضاوي في تفسيرها حديثاً عن أم المؤمنين عائشة مرفوعاً, ( ما من مسلم يصيبه وصب و لا نصب حتى الشوكة يشاكها و حتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب و ما يعفو الله أكثر ) و ختم البيضاوي شرح هذه الآية بقوله: ( إن الحسنة إحسان و امتنان و السيئة مجازاة و انتقام. و الآيتان كما ترى لاحجة فيهما لنا و للمعتزلة).

و في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أنه قال: ( ما من شيء يصيب المؤمن في جسده إلا كفر الله به عنه من الذنوب ) و روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري ( رضه ) عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أنه قال : ( ما يصيبك المؤمن من نصب و لا وصب و لا هم و لا حزن ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه و روى الشيخان عن أبي مسعود ( رضه ) عن النبي (ص) أنه قال : ( ما من مسلم يصيبه أذىً إلا حات الله عنه خطاياه كما تحات أوراق الشجر ) و روى الترمذي عن أنس بن مالك عن النبي (ص) أنه قال: ( إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا و إذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة ) و عنه (ص) ( إذا أراد الله بعبد خيراً فأذنب ذنباً أتبعه نقمة ليذكره الاستغفار و إذا أراد بعبد شراً فأذنب ذنباً أتبعه نعمة لينسيه الاستغفار و يتمادى بها ).   

 

                        عادات العلويين

 

لم تكن العادة ديناً يلزم الأمة أو الشعب الانتظام في سلكه, و لا معتقداً عاماً يضطر المجتمع إلى اعتناقه و الأخذ به, و إنما هي تكرار فعل ما بصورة تنزع إليها النفوس جرياً على سنن يقلد بها التابع المتبوع, و هي تختلف زماناً و مدائن و أريافاً و أمماً و شعوباً, إذ أنها تستلهم من طبيعة إقليم أصحابها و مجريات أحوال زمانهم.

أما العادات عند المسامين العلويين فإنها لا تختلف بشيء عما عند إخوانهم العرب المسلمين من عادات, و ربما كانت فيهم أشد علوقاً و أبلغ أثراً, كإكرام الضيف, و سخاء اليد, و إباء النفس, و عفة اللسان, و صيانة العرض, و رعاية حقوق الجار, إلى ما هنالك من شجاعة و مروءة, و إقدام و غيرة, و شهامة و تضحية, و ما سوى ذلك من عادات في الأفراح و الأتراح يقومون بها مع التزام سنن الآداب و مراعاة حرمة التعاليم السماوية, و إنهم و أيم الحق لبرءاء من أية عادة تتنافى و مكارم الأخلاق.

و إن أعجب فعجب ما قرأت في العدد الثامن و الخمسين من مجلة الأجيال عام (1953) تحت عنوان (نحن و التاريخ) ترجمة الأستاذ (منير الشعار) عن مؤلف باللغة الأجنبية للمؤرخ المعاصر الدكتور (فيليب حتي) ( يقال أن عند العلويين عوائد سرية ليلاً لا يظهر عليها غيرهم) إلى كثير من الإرجاف و الإجحاف في عقائد العلويين و عاداتهم مما تأباه الأخلاق و الأذواق, و أعجبُ منه صدورُه عن جهبذ التاريخ في هذا العصر الحر و أَحد أَساطينه, الدكتور (فيليب حتي) و سماحه لقلمه أن يجري بمداد الأقوال المكذوبة و المقولات المغرضة, دون أن يكلف نفسه بعض عناء التمحيص و جهد الاستقصاء, و دون أن يشير إلى مصادر تلك الأباطيل و السفسطات, و الخليق بمن يؤرخ للأجيال أن لا يعتمد على ما يقال, لأن التاريخ بناء, أساسه الواقع و دعامته الحقيقة, ترفع قواعده العقول المتحررة و الضمائر الحية, لا خيالات و أوهام يبعثها الافتئات و يمليها الارتزاق, و قد نربأ بمؤرخنا المعاصر و هو من هو أن يكون حمله شيء من ذلك على هذا الإسفاف الصريح و التحامل المفضوح على العلويين.

و إذا كان عذر المؤرخين القدماء فيما افتروه على هذه الفئة العربية المسلمة من القول الزور و البهتان العظيم, إرضاء أصحاب الطيالس و الصوالج الذين كان الطعن و التجريح مرضاة نفوسهم المريضة و دواءها, و أداة الحظوة و القبول لديهم, فما عذر مؤرخنا الكبير  و قد تبدلت الأرض غير الأرض و تغير وجه الزمان, و أسدل الستار على الشعوبيين و أحكامهم الجائرة, و انبعث في الأمة العربية حكام من صميمها, رسل سلام و رحمة للناس, و دعاة وحدة و إخاء في العرب, و ما مبرره في ما نقل للأجيال عن العلويين دون تمييز بين القول و التقول, و هو المفروض به الترفع عن التقليد الأعمى و التحرر من قيود العصبية البغيضة.

و واعجباً و أكثر يعمل علماء هذا العصر دائبين لتخطي متون الأفلاك و اختراق طبقات الأرض و تذليل عقبات الهواء و الماء, حرصاً على أمانة اختصاصهم العلمي, و إكتشافاً لما في مستودعات هذا الكون من أسرار, و يتجشم المؤرخون و الباحثون عناء قطع آلاف الأميال و جهد مشاق الترحال سعياً وراء الحقيقة ضالة التاريخ المنشودة, و لا يكلف مؤرخنا الأمين نفسه المتحررة عناء قطع عشرات الأميال في إحدى رحلاته إلى سوريا أو لبنان, تعرَّفا على العلويين, و ليعرف منهم عن عقائدهم و عوائدهم ما لا يمكنه معرفته من غيرهم, و رعياً لحرمة التاريخ و فقد حمل أمانته.

و هو و لا شك لو أراد أن يعلم لما جهل أن هذه الفئة العربية المسلمة ليست مجهلا من مجاهل التاريخ و لا أسطورة من أساطير الخيال ليجعل المؤرخون من عقائدها و عاداتها أحاديث سمار و أَقاصيص رواة, بل هي حقيقة ثابتة في الوجود, و أداة فعلة في حقل دنيا العرب و المسلمين.

و لو تبصر لبصر أن ما كتبه عن العلويين في مقاله ذاك بعيد عن الصدق بُعد الباطل عن الحق, و لكنه نزل بهم عند حكم مشيئته و وقف منهم حيث وقف سلفه في أودية التيه و المغالطات و في دياجي الخيال و الظنون عشواً عن أنوار الحقيقة المشرقة عليهم فتهدي إلى عقائدهم و عوائدهم كل بصير يفتأ يجعل عليه من ضميره رقيباً و من وجدانه حسيباً.

و ما كنت  لأولي هاتيك الترهات و الأباطيل أَية التفاته و قد تولاها الواقع الراهن بالدحض و التكذيب, و شهد الحق المبين بصراحة بطلانها, لولا أن الغاية من وضع هذا الكتاب هي إظهار الحقيقة و الانتصار للحق, و قصد إطلاع الرأي العام على ما دونه المغرضون من أراجيف مختلفة, فتشهد الإنسانية الصحيحة تنكر إدعيائها من المؤرخين لمبادئها المثلى, و مدى تجنيبهم و تحاملهم على العلويين فيعلم من لا يعلم, إذا كان هذا حالهم مع كتّاب و مؤرخي هذا العصر الذي تألقت فيه أنوار الحرية و استشعر عالمه المناداة بالعدالة الاجتماعية, فما الظن بهم في عصور كان يتجاذب طرفيها الظلم و الظلام. و أحرٍ بهذا الكتاب و قد حمل أمانة التاريخ أن يكون رعاها حق رعايتها, فتدبر ما نقله للأجيال القادمة بحكمة الخبير المنصف جاهداً لإرضاء الحق و العدالة الإنسانية, بدلا من اندفاعه وراء النزوات و انصياعه لأحكام العواطف و الشهوات, و لا أدل على تحكم عاطفته بعقله و إسلاس قياده لهواه في كتابته عن العلويين من بلبلة رأيه و اضطراب قلمه, فهو تارة يرميهم بالوثنية و طوراً بالحلولية, وحيناً بالإباحية, و غير خفي على المبتدئ من طلبة العلم فكم بالأحرى العلماء فرق ما بين الوثنية و الحلولية, و هو لو تمقل روايته بعين درايته لتجلت له الحقيقة بأطهر أثوابها نافضة ما علق بها من غبار الزيف و التشويه, صارخة بصوتها المدوي في أذن كل من كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد, إن على العلويين حصانة خلقية تحول بينهم و بين ما يتنافى و شرعة السماء, حصانة اكتسبوها من صدق ولائهم لآل بيت نبيهم الطاهرين, و سيرهم على سنة أئمتهم العادلة, و حرصهم على أصالة أنسابهم العربية العريقة, و ذلك كاف للعدول بهم عن مخازي الأقوال و الأفعال.