Make your own free website on Tripod.com

الهداية الكبرى

الحسين بن حمدان الخصيبي


 

[ 1 ]

الهداية الكبرى


 

[ 3 ]

الهداية الكبرى تأليف أبى عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبى المتوفى سنة 334 هجرية موسسة البلاغ للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان


 

[ 4 ]

كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة الرابعة 1411 ه‍ - 1991 م مؤسسة البلاغ لبنان - بيروت - المشرفية - بناية المقداد - ص ب: 7952 - هاتف: 835550 - 835820


 

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم لمحات عن الكتاب والمؤلف من هو الحسين بن حمدان الخصيبي الجنبلائي أو الجنبلاني ؟ كنيته أبو عبد الله، واسمه الحسين بن حمدان الخصيبي، وفاته في ربيع الاول سنة 358 ه‍، وفي رواية أخرى كانت وفاته في حلب، يوم الاربعاء لاربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة 334 ه‍، وشهد وفاته بعض تلامذته ومريديه، منهم أبو محمد القيس البديعي، وأبو محمد الحسن بن محمد الاعزازي، وأبو الحسن محمد بن علي الجلي، ودفن في حلب، وذكر له ولد يدعى أبا الهيثم السري، وابنة تدعى سرية، والفرق بين الروايتين إثنا عشر عاما، ونرجح هذه الرواية لانها وردت في آثار تلامذته ونسبه. في الخلاصة: الحضيني، بالحاء المهملة، والضاد المعجمة، والنون قبل ياء النسبة، وعند ابن داوود، الخصيبي، بالخاء المعجمة، والصاد المهملة، والباء قبل ياء النسبة، نسبة الى جده خصيب، أو إسم المنطقة التي ولد فيها، وأما الجنبلائي نسبة إلى جنبلاء بالهمزة، بلدة بين واسط والكوفة، وينسب إليه أيضا جنبلاني بالنون قبل ياء النسبة، كما ينسب إلى صنعاء، صنعاني. أقوال المؤرخين المعاصرين له كثيرة بين متحامل عليه وحاقد، وبين محب ومخلص، وبين ملتزم في الصمت، منهم النجاشي، وابن الغضائري، وصاحب الخلاصة من المتحاملين عليه. وفي الفهرست لابن النديم، الحسين بن حمدان الخصيبي الجنبلائي، يكنى أبا عبد الله، روى عنه التلعكبري وسمع منه في داره بالكوفة سنة 334 ه‍، وله اجازة.


 

[ 6 ]

وفي لسان الميزان، الحسين بن حمدان بن خصيب الخصيبي، أحد المصنفين في فقه الامامية، روى عنه أبو العباس بن عقدة وأثنى عليه واطراه وامتدحه، كان يوم سيف الدولة بن حمدان في حلب، وفي أعيان الشيعة للعلامة الكبير المجتهد، والمؤرخ والاديب والكاتب الامامي السيد محسن الامين العاملي (طيب الله ثراه) ترجمة للخصيبي مفادها امتداحه والثناء عليه، وعلى أنه من علماء الامامية وكل ما نسب إليه من معاصريه وغيرهم لا أصل له ولا صحة، وانما كان طاهر السريرة والجيب، وصحيح العقيدة، كما أن السيد الامين (رحمه الله وقدس سره) أورد في كتابه أعيان الشيعة أقوال العلماء فيه ورد على المتحاملين عليه ردا جميلا، كابن الغضائري والنجاشي وصاحب الخلاصة، ويقول السيد الامين العاملي (قدس سره)، لو صح ما زعموا وما ذهبوا إليه ونسبوه له لما كان الامير سيف الدولة المعروف والمشهور بصحة عقيدته الاسلامية وولائه لعترة الطاهرة وآل البيت (سلام الله عليهم) صلى عليه وأئتم به. وفي رواية التلعكبري على انه اجيز منه لما عرف عنه من الوثاقة والصدق بين خواص عصره، وأما من المعاصرين، فالمرحوم والمغفور له عضو المجمع العلمي في دمشق، والكاتب الشهير، والفيلسوف العظيم، والحكيم العاقل، والشيخ الوقور الملتزم الصادق قولا وعملا وسلوكية، قال فيه والكلام لي والمعنى له، على ان العلماء والمؤرخين ذهبوا فيه مذاهب شتى بين متحامل حاقد ومبغض كاسح، وبين مغال مفرط مسرف مبالغ، وبين معتدل عاقل، وخلاصة القول: كان من علماء آل محمد والامامية وهو في هذه الشهادة يتفق مع السيد الامين العاملي (قدس سره). مؤلفاته كثيرة، ذكر السيد المجتهد محسن الامين العاملي مؤلفات الخصيبي وأورد أسماء من أتوا على ذكرها ومحص تلك الاراء والاقوال المتعددة في دقة وأمانة فصح له منها عشرة كتب، وهي الاخوان، المسائل، تاريخ الائمة، الرسالة، أسماء النبي، أسماء الائمة، المائدة، الهداية الكبرى التي


 

[ 7 ]

نحن في صددها، الروضة، أقوال أصحاب الرسول وأخبارهم (1). يوجد الآن من أتباعه في إيران وحدها مليون ونصف يسكنون ضواحي المدن الآتية وهي: كرمنشاه، وكرند، وذهاب، وزنجان، وقزوين، وفي العاصمة طهران وضواحيها، هذا ما قاله الامين العاملي نقلا عن السيد محمد باقر حجازي صاحب جريدة وظيفة، وفي قناعتي الخاصة، احسن ما نقل عنه، أو تحدث به عنه حتى الآن هو الفيلسوف الامير حسن بن مكزون السنجاري الفيلسوف والعلامة والمؤرخ والفقيه والقائد والمحدث والراوي والمحقق والمدقق معا واللغوي والمتبحر والرباني في علوم آل محمد ومعارفهم وحبه لهم وإخلاصه وقد ورد هذا الحديث عنه في مخطوطته الشعرية أي ديوانه الكبير وهو المرجع الاول والاخير والمعول عليه والمعتمد في كل ما يتعلق بشؤون وأحوال الطائفة المنتمية أي الشيخ أبي عبد الله الحسن بن حمدان الخصيبي وقد شرحه وبسطه وأزال غموضه العلامة الكبير المغفور له الشيخ سليمان الاحمد تغمد الله ثراه وأخرجه حلة قشيبة الى المكتبة العربية ومحبي الفيلسوف وأنصاره والديوان في رأيي صورة صادقة أمينة ومنتسخة عن عقائد الطائفة في كل النواحي قولا وعملا وسيرة والتزاما وأرى شخصيا أن ديوان المكزون المخطوطة موسوعة ودائرة معارف المكزون الفيلسوف الرباني لم يمتدح أميرا أو واليا أو مسؤولا على خلاف غيره ومعاصريه من الشعراء ولكنه امتدح آل حمدان أتباع الخصيبي عقيدة وولاء وسيرة ويرى مدحه لهم فرضا لازما وواجبا محتما لا أثر للمصلحة فيه ولا دافع ماديا أو وجاهة أو صورة نفعية وإنما أملاه عليه الواجب الولائي والعلاقة الروحية التي هي الحبل المتين وقطب الرحى وهو لما يراه أيضا ويعتقده لكونه تنتمي طائفته الخصيبية الى العترة


 

(1) كتاب أعيان الشيعة للسيد محسن الامين العاملي، ج 4، صفحة 345، رقم 4117 من الطبعة القديمة.


 

[ 8 ]

الطاهرة والشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء بيت النبوة ومعدن النور وميزان الحق وحجج الله على البرايا وألسنة الصدق والدعاة إلى الله وسبل النجاة وأبواب رحمته والوسائل إليه دنيويا وأخرويا واجتماعيا وفكريا اسمعه إذ يقول معلنا ويصرح مبينا ويجهر موضحا عقيدته الصادقة وإيمانه الراسخ العميق للخاص والعام في أسلوب شعري رصين وعاطفة صادقة ووفاء واخلاص لاسياده وأساتذته وأصحاب طريقته في أكثر من موضع في مخطوطته الشعرية ورسالته النثرية وأدعيته المشهورة والتي لا تختلف لفظا ومعنى وفكرا عن أدعية الائمة كالسجادية وغيرها من الادعية قال بهم آمرا وناهيا على صيغة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في أسلوب قرآني رصين. واقطع أخا الجهل وصل كل فتى * شب على دين الغرام واكتهل من آل حمدان الذين في الهوى * بصدقهم يضرب في الناس المثل خزان أسرار الغرام ملجا العشاق * من أهل الشقاق والجدل قوم أقاموا سنن الحب الذي * جاءت به من عند لمياء الرسل تلوا زبور حكمها كما أتى * ورتلوا فرقانها كما نزل اولئك القوم الذين صدقوا الحب * وفازوا بالوصال المتصل آووا إلى كهف سليمى فجنوا * من نحلها الزاكي بها أزكى العسل وعن سبيل قصدها ما عدلوا * ولا أجابوا دعوة لمن عزل فهو في العرض الشعري يبدو في القمة فكرة وأسلوبا وعاطفة وتعبيرا صادقا وتصويرا رائعا على خلاف غيره من المتاجرين حينا والمنافقين حينا آخر وتقديري أن الطائفة الخصيبية هي الفرقة المؤمنة الموالية للعترة الطاهرة أصولا وفروعا ومجازا وحقيقة وقولا وعملا فهم أي أهل طريقته تحت راية لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والايمان بالخط الامامي وما هم عليه من التزام صحيح ورؤية سليمة وعلى أنهم رتلوا القرآن كما نزل وآمنوا به وصدقوا باحكامه ونهجوا على سنة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) واقتفوا هدي آل بيته (سلام الله عليهم) وما مالوا ولا زاغوا عن الحق ولا


 

[ 9 ]

أجابوا إلا دعوة الصدق ولا ساروا وراء دعوة اللائم العزول المفتري ويرى على أنهم قطفوا ثمار الدعوة وجنوا محصولها الزاكي المعنوي من نبعه ونهلوه مصبه دونما وساطة وهو في كل تعابيره الصريحة منها وغير الصريحة يسلك مسلك الحب الصادق والوفاء والاخلاص لشيخ الطائفة مسلما له الانقياد وطائعا له في كل الاصول الكلامية والمسائل الفقهية كما غلب على حسه وعقله ونفسه وتحققه وتاكده من صحة ما كان عليه شيخه الحسن بن حمدان حتى إنه يرى لا رأي إلا رأيه إيمانا منه واعتقادا على انه ما خرج عن رأي الائمة المعصومين في كل ما كتب وما قال ونشر بين خواصه وعوامه ومحبيه ومواليه والمقربين إليه قولا وعملا ومنهجية ويستمر على غرار ما عهدناه به وما عرفناه عنه في الحديث عنهم مطنبا حينا وموجزا حينا آخر دونما ملل أو ضجر أو تعسف أو خروج عن المألوف قال في القصيدة نفسها السابقة. والمدح كلها مصبوب على آل حمدان وموجه إليهم: أهل الوفا والصدق إخوان الصفا * كواكب الركبان أقمار الحلل دراهم للعاشقين قبلة * وترب مغناها محل للقبل وقد حوت علما وحلما وتقى * في طي أمن وانخلاع وجذل فانزل بها إن جزت زوار الحمى * يا سائق العير دع حث الابل والثم ثرى من لي بان الثمه * نيابة عن الشفاه بالمقل فهو في الصورة والمعبرة والتصوير المؤثر يجلهم ويعظمهم كعادته ويرفعهم منزلة عالية ويسبغ عليهم صبغة القداسة ويطبعهم بطابع الهدى والتقى والهداية فمعهدهم في نظره يختلف عن غيره من المعاهد ودارهم تختلف عن غيرها من الدور فهو يصرخ بعنف بالواقفين على الاطلال والآثار ويحثهم على الالتزام بالجواهر والحقائق التي هي الغاية في الاصل والحقيقة في الاسلام إنهم في عقيدته حينا وقناعته حينا آخر إخوان صدق وصفاء وكواكب ركبان وأقمار منازل وعلى أن دارهم للموحدين والسالكين قبلة وتراب مغناها مكان طاهر للتقبيل واللثم كمشاهد الائمة (سلام الله عليهم) في بلاد الرافدين


 

[ 10 ]

والكوفة والبقيع وغيرها من العتبات المقدسة كطوس وسواها وفي كل موطئ قدم مروا به أو أقاموا على ترابه ويرى أن هذه المشاهد الطاهرة والعتبات المقدسة قد أشيد عليها دور العلم والحكمة وأقيم عليها الحوزات الدينية التي حفظت الاسلام والشريعة السمحة وأحكامها وهذا الرأي الصحيح هو رأي الامامية الفرقة الناجية صاحبة الحق وهذا ما نوه عنه وأشار إليه العلامة المعتزلي ابن أبي الحديد في قصائده العلويات لشهرتها أعرضنا عنها وساوضح للقارئ الكريم قناعتي في الموضوع الذي أثير حول طائفة الشيخ الذي نحن في صدده والحديث عنه وما التبس في القديم والحديث على الآخرين من شبهات لا تعطي دليلا قطعيا لا من قريب ولا من بعيد فالناقل عنهم والحامل عليهم إما لعصبية عمياء أو كراهية ممقوتة أو لجهل مركب منبوذ من أصحاب الاقلام المأجورة وأرباب الدعوات الباطلة الذين هم في هذا النهج عملاء للصهيونية وخدم للامبريالية وهم ليسوا من المسلمين وهؤلاء الفريق من الناس معروفون قديما وحديثا على أنهم تجار منافع وسماسرة مصالح يميلون مع كل ناعق كما قال الامام علي (عليه السلام) في هذا المجال وسواه. ونعود إلى الموضوع نفسه بعد هذا الاستطراد البلاغي حيث تراه دائما يشيد بهم ويثني عليهم ويطريهم قال: 1 - حتى انتهيت باصحابي إلى حرم * حماته سادة من آل حمدان 2 - قوم أقاموا حدود الله واعتصموا * بحبله من طغاة الانس والجان 3 - واستانسوا بالدجى النار التي ظهرت * بطور سيناء من أجبال فاران 4 - لم ينسهم عهدها تبديل معهدها * كلا ولم ينسهم عن حبها ثان وهذه الصورة الصادقة تراها واحدة في كل قصائده لا لبس فيها ولا غموض ولا تعقيد وهذا ناجم عن مواقفه الصادقة والايجابية لمحبيه وأساتذته ويرى القارئ الكريم معي والناقد المنصف أيضا لا يخرج في مدحه هذا عن مدح الكميت ودعبل والفرزدق وأبي فراس الحمداني شعراء آل البيت ومحبيهم تعبيرا وتصويرا وعاطفة وعلى غرار ابن الرومي وأبي تمام الطائي والسيد


 

[ 11 ]

الحميري مرة أخرى لشهرة شعرهم في هذا الموضوع أعرضنا عنه ولسهولة تداوله والحصول عليه وهذا المدح في رأيه لا يزيدهم منزلة أو يرفعهم درجة بل يرى على العكس المادح لهم يزداد منزلة وقيمة ورفعة لانهم أسمى من المدح والقول والنظم ويتابع رحلته الشعرية هذه بحرارة الايمان معبرا عنهم أحسن تعبير وبعيدا عن الابتذال والتكلف والتصنع على خلاف غيره من المادحين والناظمين قال: وفوا العلوة بالميثاق واتحدوا * على الحفاظ وجافوا كل خوان هم الجبال الرواسي في علوهم * وأنجم الليل تهدي كل حيران سعوا فلم ترهم عين الجهول بهم * الا كما نظرت من شخص كيوان صلى الاله على أرواحهم وكسا * أشباحهم حللا من روض رضوان فهم في عقيدته كالجبال الرواسي سموا ورفعة، وكانجم الليل هداية وارشادا، وقد اختفوا عن أعين الجهلة والمبغضين، وحق له أن يقول ذلك، لانهم لا يرون عقيدة الا عقيدة آل البيت ولا إسلاما إلا إسلامهم، وهم في قناعته كما قلنا فوق مدح المادحين، واطناب المطنبين، واسهاب المسهبين، وهم أي محبوا آل البيت أسمى وأرفع وأعلى بكثير وكثير مما يقول، لانهم صورة منتسخة عنهم كسلمان، وأبي ذر، وعمار وغيرهم مما يضيق بنا الحديث عنهم في هذه المقدمة، ويكرر مدحه لهم معرضا بغيرهم لترك الصورة، والتزام الحقيقة والتمسك بالعروة الوثقى، وترك السراب الباطل، وهذا كثير عنده قال: ويل الى الخيف عن الخوف الى * ظل اللوى والبلد الامين حمى به آل الخصيبي عصمة الخائف من زمانه الخؤون بنو الوفا والصدق اخوان الصفا * قوم وفود الحجر والحجون أميال بيت الله أعلام الهدى * الطاردون الشك باليقين فهو يرى الخصيبي وأتباعه الميامين على أنهم ملاذ الخائف من زمانه


 

[ 12 ]

الخؤون، وانهم أهل صدق ووفاء واخوان مودة وصدق، وهم الذين يزورون الحجر والحجون، وهم أميال بيته وقواعده وعمده، لما هم عليه من صدق الولاية والعقيدة التي هي الذخيرة ليوم العرض، وهو في قوله هذا ومدحه لهم صادق التعبير والعاطفة ومتاجج الاحاسيس والمشاعر لانه يرى سلوكيته هذه تجاههم حياة له ونجاة وفوزا في الدنيا والآخرة، وهذا صحيح إذا ما التزم السالك وصدق في التزامه وثبت، وهو يهب فوق هذا وسواه كدعوة صارخة على الذين وقفوا عند الجدار، وسماع النعيق، وعدم سماع نداء الحق ودعوة الصدق، التي عليها أهل البيت وشيعتهم الفائزين، وأتباعهم المؤمنين في القديم والحديث، ونظرته هذه في الواقع قد يراها الآخرون مغايرة لما هم عليه، ومباينة لما هم فيه، وكيف لا يكون ذلك وهو الذي يرى في أهل البيت المثل الاعلى والاسوة الحسنة، والقدوة الطيبة في كل القيم، والمثل، والاخلاق، والآداب، والفضائل، والمناقب، كما انه يرى على ان العبادات الاسلامية والحدود الخمس، وما يتفرع عنها من أصول وفروع، مضمونها ومحتواها سعادة المؤمن، ولا تأخذ الشكل الصحيح والسليم والكمال الروحي الا بهم، أي بائمته الطاهرين المطهرين والمعصومين (سلام الله عليهم)، وهذا صحيح من الوجهة العقلية والمنطقية، والشرعية، لانهم أئمة عدل كما يقول دعبل الخزاعي: أئمة عدل يقتدى بفعالهم * وتؤمن منهم زلة العثرات وأئمة تقى كما يقول الفرزدق: ان عد أهل الارض كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الارض قيل هم ولهذا قال الامام أحمد بن حنبل في مسنده في موضوع مناقب علي (عليه السلام) ما معناه، على ان العبادات من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج، وجهاد، تسمو وتعلو بعلي (عليه السلام) وتزدان به وتسمو، كما الخلافة والامرة أيضا لا تزيده أو ترفعه، بل هي تزداد رفعة وسموا ومنزلة به على خلاف


 

[ 13 ]

غيره من الصحابة، بينما غيره لا وزن له ولا قيمة الا بما يعمل ويمارس من سلوكية وسيرة حسنة، ولهذا وغيره اتخذ من جاء بعده وحتى الآن كعبة له ومنارة وملاذا في العلم، والفكر، والزهد، والحكمة، والورع، والشجاعة، والجرأة، والاقدام، والجود والسخاء، والبذل، والعطاء، والايثار، والفداء، والتضحية، وغيرها من الصفات الذاتية التي كان يتسم بها بغض النظر عن هويات الاشخاص، والعباقرة، والمفكرين والجهابذة، وقادة الرأي، ولذلك يرى المكزون، كما يرى غيره من معاصريه كالشريف الرضي في مقدمة النهج يجمع جميع المتناقضات في شخصيته الانسانية، والاسلامية، والعربية، وعلى هذا الرأي جميع أهل التحقيق، والفضل، والعلم، والنقل. ولذلك يرى المكزون على أن آل الخصيبي من لم يسلك ما سلكوه أو يعتقد ما اعتقدوه فلا قيمة له ولا وزن، لانه يعرف هؤلاء على نهج أهل البيت وهديهم، وذهب على أن الذين لم يسلكوا يؤمنوا أو يعتقدوا بهم لم يقبل الله منهم عملا، ولم يفلحوا أو ينجحوا. وهو في صورة هذه يعبر تعبيرا إسلاميا محضا ويشير دائما الى اخلاصه لهم، والتزامه بهم لانه يرى في بني طريقته التي هي في رأيه زبدة فكر آل محمد (صلوات الله وسلامه عليهم)، ويرى المكزون ان العبادات من جميع النواحي تبقى صورية وشكلية ان لم يهجر، أو يكف، أو يرتدع عن المحارم، والمنكرات، والخبائث، والفواحش تمشيا مع روح الشريعة الاسلامية السمحة قائلا: لم أقض في حبكم حجي ولا تفثي * ان لم أرح هاجرا للفسق والرفث وعليه فالخصيبيون في نظره هم خاصة العترة الطاهرة، ويرى ان أتباعه، أي أتباع الحسين بن حمدان الخصيبي، إماميون مؤمنون بامامة الائمة من علي المرتضى (عليه السلام) إلى الحجة (عليه السلام) صاحب العصر والزمان، ويرون أنه لا معنى لعمل شرعي أخروي أو دنيوي ما لم يكن مضمونه ومحتواه مشروطا بولاية الائمة والايمان بهم، وعلى انهم بهم يحاسب


 

[ 14 ]

الله سبحانه، وبهم يثيب كما هو معروف ومشهور لدى الامامية لشهرته، ولشهرته أعرضنا عنه ولم نات على ذكره أو إيراده هنا، وعليه فالشيعة العلويون الذين يسكنون في سوريا في كل مدنه وقراه، وخصيصا في الساحل الغربي من القطر هم من أتباعه والملتزمين به وعلى طريقه لانه لم يخرج في اعتقادهم عن الشريعة الاسلامية السمحة ككل وعن مذهب الامام جعفر الصادق (عليه السلام) بخاصة، والشيخ أبو عبد الله شيخهم الروحي عاش في كنف الدولة الاسلامية الحمدانية الشيعية المؤمنة في القرن الرابع الهجري على وجه التحديد، وهذا الامير المؤمن سيف الدولة ابن حمدان أجمعت عليه كلمة المؤرخين على أنه هو الامير المشهور بعقيدته الصادقة وحب آل البيت (عليهم السلام)، والباحث لدى معاصريه من الشعراء والادباء والفلاسفة، والكتاب، والمؤرخين، وفي طليعتهم الشاعر أبي الطيب المتنبي الذي امتدح الامير في خيرة شعره وأدبه، لانه رأى فيه الامير العربي والمسلم الذي يمثل روح الاسلام والعروبة على حدود الرسوم، كما رأى المكزون في قومه الخصيبيين الروح نفسها، والصورة ذاتها، ومن هنا وجد الحسين بن حمدان غايته في هذا الامير المؤمن الصادق للشجرة الطيبة آل محمد (عليهم السلام)، كما انه في القرن الرابع الهجري هو الذي أعطى العروبة هذا البعد الصحيح وهذا الفكر الواضح، وتلك الرؤية الصادقة الصحيحة المتمثلة في شريعة الاسلام، وسيرة العترة الطاهرة، اعتقادا، وممارسة، وتطبيقا. ونعود إلى موضوع الهداية الكبرى، فهي من الوجهة التاريخية، تراثية إسلامية، ومن الوجهة العقائدية فهي إسلامية الاصول والفروع، تدور موضوعاتها عن المعصومين الاربعة عشر بدءا من الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) وابنته الزهراء البتول الطاهرة المعصومة (عليها السلام) والائمة الاثني عشر بدءا من علي المرتضى الى الامام الحجة صاحب العصر والزمان، وهي تتحدث على غرار وشاكلة الكتب الامامية المعتمدة عند الامامية كالبحار، وعيون المعجزات، وغيرها من الكتب كالحديث عن


 

[ 15 ]

مناقب وفضائل ومعاجز الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، بشكل يكاد العقل ألا يصدق هذه المعجزات، ولكن الباحث الاسلامي والدارس الملتزم يرى صحة هذه المعاجز الخارقة أمرا صحيحا، ولكن المشكك لا يستبعد عنه أن يشك في أصل الشريعة الاسلامية، القرآن الكريم مثلا، فالمسالة مسالة إيمان وعقيدة، وسيرة عطرة، لا مسالة جدل عقيم، ونقاش حاد لا جدوى فيه ولا نفع، وأهل البيت (سلام الله عليهم) من تتبع سيرتهم، وتقصى أخبارهم لدى المؤالف والمخالف، والموالي وغير الموالي يجدهم ويرى في سيرتهم العطرة صفحة مشرقة ناصعة في جبين التاريخ والانسانية جميعا، كما انه يرى في ذكرهم وعملهم مثلا أعلى لغيرهم من عظماء التاريخ، وقادة الرأي، وجهابذة الفكر، وفلاسفة الحكمة، وحكماء الحقيقة، ويرى فيهم أيضا ثورة عارمة في الحياة والممات على الظالمين، والمستكبرين، والمنافقين، والغادرين، والتجار، والمروجين في كل عصر وزمان، ولذلك اتخذهم الناس جميعا مرجعا لهم في كل معضلاتهم أمورهم الثقافية، والعسكرية، والاقتصادية، والسياسية، والادبية، والعلمية، والاخلاقية، والسلوكية، وهذه الصفات الذاتية أمور مسلم بها وبديهية أيضا، إذن فلا غرر بعد هذا وذاك ألا تشكك في مضمون الهداية من معاجز خارقة لهم ومناقب رائعة، وفضائل عظيمة، لان شرف العلم بشرف المعلوم، وعليه أقول أن العبادات الخمس من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج، وجهاد، تشرف غيرهم، بينما هذه العبادات تزداد بهم سموا، وعلوا، ومنزلة، ودرجة، وكذلك الخلافة، والامارة، والامامة ان صح التعبير، زينت غيرهم، ورفعت سواهم، بينما هم، أي آل البيت (سلام الله عليهم) لم تزدهم رفعة، ودرجة، ومنزلة، بل هي ازدانت بهم وارتفعت، وهذا ما قاله الامام أحمد بن حنبل في فضائلهم (عليهم السلام). إن الباحث الاجتماعي المنصف يرى هذا الاعتراف صحيحا دونما


 

[ 16 ]

مواربة، أو اشكال، أو التباس، والجاحد لهذا والناكر له سمته العربية وأرباب العربية ناصبيا، ورحم الله الشاعر العربي الكبير المتنبي، حيث التقط هذا المعنى عندما امتدح أحد العلويين الاشراف قائلا: وأبهر آيات التهامي أنه * أبوك وأجدى ما لكم من مناقب إذا علوي لم يكن مثل طاهر * فما هو إلا حجة للنواصب نعم وألف نعم هو أبهر آيات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ورحم الله أيضا أبا علي شوقيا حيث كرر المعنى نفسه قائلا: أما الامام فالاعز الهادي * حامي عرين الحق والجهاد العمران يا خذان عنه * والقرآن نسختان منه أصل النبي المصطفى ودينه * من بعده وشرعه وصفحتاه مقبلا ومدبرا * وفي الوغى وحين يرقى المنبرا والحجر الاول في البناء * واقرب الصحب بلا استثناء وجامع الآيات وهي شتى * وشدة القضاء باب الافتا والكلام يطول في هذا الموضوع ويحتاج إلى مجلدات ومجلدات، ولعل وعسى أن نوفق مستقبلا للكشف عن هذا الكنز المغمور، والازاحة عن هذا الستار المحجوب لدى عامة المسلمين، لان الهوى والعصبية قتلت علماء السوء احياءا وأمواتا وباعوا دينهم بدنياهم، هذه لمحة مختصرة عن الهداية، ونبذة متواضعة عنها. وخلاصة القول، ان العلويين هم مسلمون، إماميون، جعفريون، يعتمدون أصول الشريعة الاسلامية عقيدة لهم ويطبقون أحكامها وفقا لمذهب الامام السادس أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) قولا وعملا، وسلوكية، وسيرة، ولا يرون بديلا عن الاسلام على الرغم من التعذيب، والتنكيل، التشريد، والذبح والقتل، بدءا من العصر الاموي ومرورا بالعباسي وانتهاءا بالعثماني البائد، لا لسبب إلا لانهم رفضوا الولاء كلية


 

[ 17 ]

لائمة الجور، والضلال، والفساد واسوة بائمتهم وقدوة بهم على مر العصور والازمنة (1)، ومن هنا انهالت عليهم التهم الباطلة، والافتراءات الكاذبة، والصقوا بهم ما لا يليق بنا هنا في هذه المقدمة ان نذكره، أو ناتي على ذكره ترفعا واباءا منا، وحرصا على وحدة الكلمة ورأب الصدع، وضرب الفتنة ودفنها، ولم يسلموا من أذى الحكام الظالمين إلا في ظل الدولة الحمدانية في حلب الشهباء في القرن الرابع الهجري، لانسانية هذه الاسرة وأخلاقيتها العظيمة، وسيرتها العطرة، ونبلها العربي، وتسامحها الاسلامي، فهم إذن مسلمون، موحدون، يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وبمحمد، (صلى الله عليه وآله) نبيا ورسولا، وبالقرآن دستورا ومنهجا صالحا لكل عصر، ومكان، وزمان، ويقيمون الصلاة الى ذلك سبيلا وهم يتعبدون فقهيا واحكاما على مذهب الامام الصادق (عليه السلام) والذي اعترف به مؤخرا من قبل شيخ الازهر الشريف محمود شلتوت سابقا ولا زال معمولا به حتى الآن في مصر، وما نسب إليهم من ارتكاب الموبقات، وإباحة المحرمات، والكفر، والالحاد، فكله باطل ولا أساس له من الصحة وعار عن الحقيقة أولا وأخيرا، ويفتقر هذا الزعم الى دليل قطعي ويحتاج إلى برهان موضوعي، وانما واقعهم الصحيح وما هم عليه يفند هذه المزاعم المفتعلة، والاراجيف المختلقة من قبل المغرضين والحاقدين، وانما كانت هذه الاقوال وتلك المقالات مجرد اهواء، وعواطف، وميول، ورغبات من الآخرين لا تمت الى أصول الاسلام وفروعه باي حقيقة أو موضوعية، وما أكثر هذا الضرب من الاقوال في أذهان العامة والهوى دائر لا علاج له، والعصبية مرض فكري موروث لا مناص منه ولا مفر الا من رحم ربي وحكم عقله وترك هواه، ورفض موروثاته، وما أقل هؤلاء قديما وحديثا وكان المسالة لديهم أمر مستساغ وطبيعي، يعطون الايمان لمن يريدون، ويلصقون التكفير لمن يشاؤون.


 

(1) راجع مقاتل الطالبيين للمؤرخ أبي الفرج الاصفهاني.


 

[ 18 ]

وهذه الفتاوى التي الصقت بهم من قبل الآخرين في أيامنا هذه، والتي هدفها التمزيق، والتفرقة، وخدمة الاستعمار والامبريالية، والصهيونية، فهي ليست في صالح الاسلام والمسلمين أبدا، وقد حدثت لهم هذه الضجة المفتعلة في أيام الاستعمار الفرنسي البغيض، وما يعرف بالانتداب المكذوب على غرار هذه الصيحة الموهومة في الوقت الراهن، ولكن علماءهم كعادتهم انبروا بشدة وعنف للرد على هذه وتلك بقول صريح للعالم الاسلامي للحقيقة والتاريخ، والاسلام، وهذه صورة الجواب من قبل علماءهم آنئذ في تلك الفترة المريرة والمؤلمة، والتي نشرت في حينها في مجلة المرشد العربي لمنشئها الشريف عبد الله آل علوي الحسني ابن المغفور له الامير الشريف حسن بن فضل باشا أمير ظفار، مطبعة الارشاد، اللاذقية، عام 1357 ه‍، 1938 م، وهذه هي فتوى السادة العلماء لهم نسوقها الى المنصف الكريم الحر حرفيا، أمانة ووفاء منا: (إن الدين عند الله الاسلام) (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون) القرآن الكريم. قرأنا هذا البهتان المفترى على العلويين طائفة أهل التوحيد ونحن نرفض هذا البهتان أيا كان مصدره، ونرد عليه بان صفوة عقيدتنا ما جاء في كتاب الله الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، (بسم الله الرحمن الرحيم، قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد)، وان مذهبنا في الاسلام هو مذهب الامام جعفر الصادق (عليه السلام) والائمة الطاهرين (عليهم السلام) سالكين بذلك ما أمرنا به خاتم النبيين سيدنا محمد بن عبد الله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول: " إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء الى


 

[ 19 ]

الارض، وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ". هذه عقيدتنا نحن العلويين، أهل التوحيد، وفي هذا كفاية لقوم يعقلون. مفتي العلويين في قضاء صهيون يوسف غزال، المحامي عبد الرحمن بركات، قاضي طرطوس علي حمدان، صالح ابراهيم ناصر، عيد ديب الخير، كامل صالح ديب، يوسف حمدان عباس، مفتي العلويين في قضاء جبلة علي عبد الحميد، الفقير لله تعالى صالح ناصر الحكيم، حسن حيدر، قاضي المحكمة المذهبية في قضاء مصياف محمد حامد، في 9 جمادي الآخرة 1357 ه‍. وهذه صورة أخرى عن فتوى الرؤساء الروحيين في صافيتا المنشورة في جريدة النهار أنقلها حرفيا أمانة وحقيقة لله، وللتاريخ وللانصاف. طالعنا في جريدتكم الغراء المؤرخ في 31 تموز سنة 1938 عدد 1448، مقالة لمراسلكم في اللاذقية تحت عنوان هل العليون مسلمون تتضمن المفتريات الكافرة التي نسبها المحامي إبراهيم عثمان لعقائد العلويين وتكفيره لهم بادعائه وزعمه أنهم ليسوا بمسلمين ينكرون - والعياذ بالله وناقل الكفر ليس بكافر - شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنتم تدينون بدين غريب يقوم على فكرة التثليث، وتنكرون فكرة التوحيد. لذلك فقد اجتمعنا نحن الرؤساء الروحيين في قضاء صافيتا، واصدرنا الفتوى الآتية راجين نشرها بنفس الصحيفة التي نشرتم بها كلمة المراسل عملا بقانون المطبوعات، إن تصريحات المحامي الموما إليه هي محض الكفر الصريح، وان المسلمين العلويين باجماعهم المطلق يستنكرونها أشد الاستنكار، ويبرأون منها ومن مثيريها الى الله ورسوله (صلى الله عليه [ وآله ] وسلم)، يعلنون في الدنيا والآخرة إنهم على شهادة لا إله إلا الله،


 

[ 20 ]

وان محمدا عبده ورسوله شهادة حق وصدق، فمن آمن منهم بالشهادتين والوحدانية، فهو منهم ومن جحدها فهو غريب عنهم كافر بهم، ومن يتخذ من أتباع المسلمين العلويين مذهب الامام جعفر الصادق (عليه السلام) سببا لابعادهم عن الدين الاسلامي الحنيف نعتبره بدعواه جاحدا للحق، ناكرا للصدق، عاملا بالباطل. التواقيع: صافيتا في 3 آب 1938 الشيخ ياسين عبد اللطيف ياسين يونس، الشيخ علي حمدان قاضي المحكمة المذهبية الشرعية بطرطوس، الشيخ يوسف إبراهيم قاضي المحكمة المذهبية الشرعية بصافيتا، الشيخ محمد محمود، الشيخ محمد رمضان، شوكت العباسي، الشيخ عبد الحميد معلا. وهذه أيضا صورة عن البيان الذي نشره زعماء العلويين في جريدة النهار في العدد 1454، آب، سنة 1938: المفتريات الكافرة التي نسبها المحامي إبراهيم عثمان لعقائد العلويين وتكفيره لهم بادعائه وزعمه أنهم ليسوا بمسلمين، ينكرون - والعياذ بالله وناقل الكفر ليس بكافر - شهادة ان لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنهم يدينون بدين غريب يقوم على فكرة التثليث، وينكرون فكرة التوحيد هي محض الكفر الصريح، وأن العلويين باجماعهم يستنكرونها الى أقصى حدود الاستنكار، ويبرأون منها، ومن مثيريها، إلى الله وإلى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويعلنون في الدنيا والآخرة أنهم على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، شهادة حق وصدق، فمن آمن منهم بالشهادتين والوحدانية، فهو منهم ومن جحدها فهو غريب عنهم وكافر بهم، ومن يتخذ من اتباع المسلمين العلويين مذهب الامام جعفر الصادق (عليه السلام) سببا لابعادهم عن الدين الاسلامي الحنيف يكون بدعواه جاحدا للحق ناكرا للصدق عاملا بالباطل وللباطل.


 

[ 21 ]

التواقيع للزعماء: سلمان مرشد، شهاب ناصر، منير العباس، صقر خير بك، إبراهيم الكنج، علي محمد كامل، أمين رسلان. وهذه أيضا صورة عن الفتوى التي أفتى بها العلامة الكبير والحجة الشيخ سليمان أفندي الاحمد شيخ الاسلام والمسلمين في حينه ومرجع اللغة، والادب، والفكر، والخلق الحسن، وعضو المجمع اللغوي آنئذ في دمشق ووقعها العلامتان الفاضلان الشيخ صالح ناصر الحكيم، والشيخ عيد ديب الخير: قال الشيخ العالم العامل المخلص خدمة للاسلام، والمسلمين، والحقيقة، والتاريخ، الشيخ سليمان الاحمد (قولوا آمنا بالله) (آمنا بالله وما انزل إلينا، وما انزل الى إبراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب و الاسباط وما اوتي موسى وعيسى وما اوتي النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون)، ويستمر قائلا في فتواه حرفيا: رضيت بالله تعالى ربا، وبالاسلام دينا، وبالقرآن كتابا، وبمحمد بن عبد الله رسولا، ونبيا، وبامير المؤمنين علي (عليه السلام) إماما برئت من كل دين يخالف دين الاسلام، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، هذا ما يقوله كل علوي لفظا واعتقادا، ويؤمن به تقليدا أو اجتهادا، هذا ما حصلت عليه وحققته، وأكدته على أنهم مسلمون إماميون أولا وأخيرا، شاء الخصم أم أبي، وليس لديهم من الهوى أكثر من غيرهم، وهم وغيرهم في هذا سواء، وقد يفوقهم الآخرون كثيرا في الاسراف، والافراط، والخروج عن المألوف، وقد يكونون هم معتدلين الى حد ما عن غيرهم، لان أئمتهم أئمة حق، وصدق، وعدل، وقدوة، وأسوة، وسيرة حسنة، واستقامة صحيحة على غرار منهجية جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي صورة منتسخة عن سيرة رسول الله وسنته، وهديه،


 

[ 22 ]

وقوله، وتقريره، وفعله، وقد ثبت هذا من طريق المعقول، والمنقول، وأهل العدل، والانصاف، حتى اصبحت لهم مدرسة في تاريخنا الاسلامي فكرا، وعقيدة، وأدبا، وتوغلت جذورها الى خارج المدرسة، لدى الآخرين من غير المسلمين أنفسهم إنسانيا، وعالميا، وهذا لم يكن لغيرهم أو سواهم، وانما انفردوا به عن الناس جميعا حتى اصبحوا المثل الاعلى لدى الآخرين عاليا في الالتزام الصحيح والايجابية الصحيحة، والموضوعية الحقيقية قولا، وعملا، وممارسة. وهذا مرسوم تشريعي آخر للاعتراف السوري بمذهب آل البيت " عليهم السلام)، وهو المرسوم التشريعي رقم (3) نقله حرفيا للمنصف الكريم ليرى عن كثب اهتمام علماء هذه الطائفة المسلمة بمذهب الامام الصادق (عليه السلام) ومدى تمسكها به قولا وعملا، وسلوكية، لانهم يعتقدون أن المذهب اصلا، وفرعا، ومجازا، وحقيقة هو أصل الاسلام، ولولا المذاهب الاخرى لما قلنا أو سمينا مذهبا جعفريا لان المذهب الجعفري لا يخرج أصلا، أو حقيقة عن حقيقتها، على أسس ثلاثة، والتي هي من مضمون المذهب الجعفري ومعتقده تمشيا مع الوحدة الاسلامية، والالتزام بها خشية الفرقة التمزيق والاسى، هي التوحيد والنبوة والمعاد مما لا يختلف عليها مذهب دون آخر وإليك المرسوم أيها القارئ الكريم.


 

[ 23 ]

المرسوم التشريعي: للاعتراف السوري بدمشق بمذهب آل البيت عليهم السلام المرسوم التشريعي رقم / 3 / إن رئيس الدولة بناء على الامر العسكري رقم 3 المؤرخ في 3 / 3 / 51. وبناء على المرسوم التشريعي رقم 257 بتاريخ 8 حزيران عام 1952، وبناء على قرار مجلس الوزراء رقم 3 / تاريخ 14 / 6 / 1952. وبناء على المرسوم التشريعي رقم 23 / المؤرخ في 2 ربيع الثاني هجرية ه‍ / 30 كانون الاول 1951 م. وعلى وجوب عدد كبير من أهالي محافظة اللاذقية على المذهب الجعفري. وعلى اقتراح المفتي العام رسم ما يلي: المادة الاولى: يضاف إلى المادة الثالثة من المرسوم التشريعي رقم 33 الفقرة التالية: تؤلف لجنة خاصة بالجعفريين من علمائهم في مركز محافظة اللاذقية قوامها ثلاثة أشخاص من العلماء الجعفريين ويضاف إليهم شخص واحد من كل قضاء عندما يتعلق البحث في قضائه. ويسمى اعضاء هذه اللجنة بقرار من المفتي العام من العلماء الاكفاء. مهمتها فحص حالة متدينين بالكسوة الدينية على المذهب الجعفري والذين يرغبون ارتداء هذه الكسوة واقرار من يحق لهم الاحتفاظ بها ومن منح تتحقق اللجنة من انه دخيل على سلك رجال الدين من ارتدائها. المادة الثانية: ينشر هذا المرسوم التشريعي ويبلغ من يلزم. دمشق في 15 حزيران عام 1952 - الزعيم فوزي سلو.


 

[ 24 ]

صدر عن رئيس الدولة لمجلس الوزراء: الزعيم فوزي سلو: وزير الصحة والاسعاف العام مرشد خاطر - وزير الزراعة عبد الرحمن الهنيد - وزير الدفاع فوزي سلو - وزير الخارجية ظافر الرفاعي - وزير العدل منير غنام - وزير الداخلية الزعيم فوزي سلو - وزير المالية محمد بشير الزعيم - وزير المصارف سامي طيارة - وزير الاقتصاد الوطني منير دياب - وزير الاشغال العامة والمواصلات توفيق هارون - القرار رقم 8: ان المفتي العام للجمهورية السورية: بناء على المرسوم التشريعي رقم / 3 / في 15 حزيران عام 1952 يقرر ما يلي: المادة الثانية: تؤلف لجنة فرعية في مركز محافظة اللاذقية من السادة حضرة صاحب السيادة الشريف عبد الله رئيسا، الشيخ علي حلوم مفتي قضاء اللاذقية عضوا - الشيخ عبد ديب الخير - عضوا - يشترك مع هذه اللجنة الفرعية المذكورة عضو واحد ليمثل القضاء المذكور حذاء اسمه كل من السادة: كامل حاتم - عن قضاء اللاذقية - عبد الله عابدين - عن قضاء الحفة - حيدر محمد أحمد - عن قضاء جبلة - يونس ياسين سلامة - عن قضاء بانياس - عبد الهادي حيدر عن قضاء مصياف - محمود سليمان الخطيب - عن قضاء طرطوس. عبد اللطيف ابراهيم عن قضاء صافيتا - علي صالح حسن - عن قضاء تلكخ - فمهمة هذه اللجنة فحص كفاءة المتدينيين بالكسوة الدينية (على المذهب الجعفري) والذين يرضون ارتداء الكسوة واقرار من يحق له الاحتفاظ بها ومنع من تحقق اللجنة انه دخيل على سلك رجال الدين في ارتدائها. المادة الثانية: ينشر هذا القرار ويبلغ من يلزم لتفيذ أحكامه دمشق 17 شوال عام 1371 / ه‍ 9 تموز 1952 م المفتي العام للجمهورية السورية التوقيع محمد شكري الاسطواني رقم 3510 / 292 صورة الى محافظة اللاذقية - المفتي العام.


 

[ 27 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ابتدأنا بعون الله وقوته، وبركة أسمائه، وجلاله واسمه وبابه، وأهل مراتب قدسه، وعالم أنسه وملكه، وأن يوصلنا بهم الى الرضى وبلوغ المنى. وهو سماعه من الرجال الثقات، الذين لقيهم (رضي الله عنهم اجمعين)، منهم من عاشر الموليين السيدين الامامين العسكريين (صلوات الله عليهما)، وروى عن ما يشتمل على أسماء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأسماء امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) في السريانية والعبرانية وجميع اللغات المختلفة، واسماء فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها) وعلى الائمة الراشدين الحسن والحسين ابني علي، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، ومحمد بن الحسن (الحجة) سمي جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكنيته بجده، ولقبه المهدي والغائب والمنتظر (صلوات الله عليهم اجمعين) وأسمائهم وكناهم - الخاص والعام منهم - وأسماء امهاتهم، ومواليدهم، واولادهم، وبراهينهم، ودلائلهم، ووفاة كل منهم، وشاهدهم وأبوابهم، والدلالة من كتاب الله (عز وجل) والاخبار المأثورة المروية بالاسانيد الصحيحة، وفضل شيعتهم، نفعنا الله بهم جميعا إنه على كل شئ قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وهو رب العرش العظيم.


 

[ 29 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله مبدئ الحمد وباريه، ومقدره وقاضيه، والآمر به وراضيه، جزاء من عباده عن نعمة، والمستوفي لهم جزيل قسمه، والمزحزح عنه حلول نقمه، الفارض له عليهم، الحاتم فيما انزله إليهم، المستحق على هدايته لهم حمده على نعمه، إذ كان حمدهم له على نعمه نعمة أنعمها منه عليهم، الذي لم تدرج نوره الدياجي، ولم تحط بقدرته الاماكن، ولم تستقل، بذات كبريائه المعادن، ولم تستقر لجلال ملكوته المواطن. الاول لا أول مكيف، والآخر لا آخر مستحدث، الدائم في أزليته، الباقي في ربوبيته، الشاهد على خليقته، فاطر المخلوقين بحسن تدبير الحكمة، ومكونها أجساما وأشخاصا، وأشباحا وأرواحا، وصورا مختلفة وغير مختلفة، ومتشابهة وغير متشابهة. الذي لم تكله قدرته فيما خلق الى ظهير، ولم تدعه مبهرات عجائب ما فتق ورتق الى مستعين به في أمره ومشير، المظهر فيما ذرأه وبرأه مما شوهد بعيان، واستدل عليه ببرهان، بدائع تحسر عقول المخلوقين عن بلوغ تحديدها، المستشهد عند ذوي العلم والعقول، خلق السنتهم وأنفسهم وألوانهم ولم يحيطوا به علما، ولم يبلغوه فهما، إذ لا صانع لهم دونه، ولا مركب لهم في تأليف غيره، ولا متقن في تصنيف، ولا مدبر في تأليف غيره.


 

[ 30 ]

أحسن كل شئ خلقه، الذي لم يعزب عنه علمه في ديجور طبقات السماوات، ولا في دياجي ظلمات الارضين المدحيات، ولا في قعر البحور الزاخرات، ولا كائن من المخلوقين إلا احاط به قوة وعلما واقتدارا وسلطانا. الذي لم يفته متعزز بفناء واكثار، ولا ذو بطش جبار، متقلبا في كبريائه، ولا متقلب في ليل ولا في نهار، ولا بغرور، ممتنع ببهاء وأوطار، ولا يحتوي بمدى عمر ذي اقطار فيدركه طلب بمستعان، بل اشفى بطوله بريته، وشمل بحوله خليقته، وسعت كل شئ رحمته، لطفا وامتنانا فهو في ازل قديم أزليته غير مشهود، وفي كمال كليته غير محدود، ولا مدرك بلحاظ عيون الناظرين، ولا بحواس خواطر عقول العارفين موجود، ولا مقر بهم عن بلوغ ذلك منفردا، بل هو في ظواهر حكم صنعته ومراضي قضاء قدرته، ونفوذ سلطان عزه، وتفرده بالصمدية معروف غير مجحود، وهو في حال فقر عباده إليه اعتمام ما خولهم إياه، ولا يتعاظم وان كبر عند المرزوقين، ولا ينقصه عطاؤه اياهم لانه ليس بمحدود من خزائنه، ولا يغيظه تمرد المتمردين عليه، وان استكبروا عن أداء الشكر له على ذلك في حال طاعتهم ومعصيتهم إياه فهو على كل حال محمود. وكيف لا يكون ذلك، وزمام كل شئ في قبضته ؟ وقضاء قدرته ؟ يحكم فيه ولا يحكم عليه، والاشياء خاشعة له، وهو على كل شئ قدير. وهو الله الذي نشهد ان لا اله الا هو، وحده لا شريك له في ملكه، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. اللهم أنزل زاكيات صلواتك، ومكرمات بركاتك وتحنن رأفتك، وواسع رحمتك، وطيبات تحياتك وفوز جناتك على محمد عبدك ورسولك


 

[ 31 ]

ونبيك، وصفوتك وخيرتك من خلقك، وعلى علي أخيه امير المؤمنين، ونور العارفين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وأفضل الوصيين، والائمة الراشدين، وعلى الحسن الزكي في الزاكين، وعلى الحسين الشهيد، الصابر في المحنة طهر الطاهرين، وعلى علي سيد العابدين، وعلى محمد باقر علم الاولين والآخرين، وعلى جعفر الصادق في الناطقين، وعلى موسى نورك الكاظم في الكاظمين، وعلى علي الرضا في المؤمنين، وعلى محمد المختار في صفوتك المختارين، وعلى علي الهادي في الهادين. وعلى الحسن المنتجب المستودع سرك في المستودعين. اللهم أصلح باصلاحك الكامل المبلغ ما بلغته المؤمنين من عبادك، عبدك الزكي الذي استخلصته لنفسك، وخليفتك الذي استخلفته في خلقك، وأمينك الذي ائتمنته على مكنون علمك، وحجتك التي اتخذتها على أهل سماواتك وأرضك، وعينك الناظرة التي حرست بها نعمك عند أوليائك، ويدك التي تقبض بها وتبسط أمرك ونهيك، ولسانك الناطق المبين برحمة كنه غيبك ووحيك ووجهك الدال عليك في وحدانيتك، وصراط دينك المستقيم، وسبيل رشادك المفهوم، ومنهج هدايتك المعلوم، الصادق الناطق، الفاتق الراتق، الآمر بطاعتك، الناهي عن معصيتك، المرجي لثوابك، المحذر من عذابك، حجتك وابن حجتك وصفوتك وابن صفوتك، وخيرتك وابن خيرتك، وانيسك من خلقك ووصيك سمي جده رسول الله (صلى الله عليه وآله الطاهرين) الامام المهدي حجتك يا رب العالمين، الذي خلقته نورا للمؤمنين وقدوة للمقتدين، وملاذا للائذين، وكهفا للاجئين، وأمانا لعبادك المرعوبين، ناصر المضطرين ومدرك وتر المغلوبين، والآخذ بحق المغصوبين، مجلي الروعات، وكاشف الكربات، ومزحزح الضلالات، ومزهق المعطلات، ومشفي الخواطر المضنيات، ومزيل الفكر المخربات، وفاتح القلوب المقفلات، ومبصر العيون المسملات، ومسمع الآذان الصمات، ومحق الكلمات التامات،


 

[ 32 ]

الفتح الاكبر، والنصر الاظفر، والامل المنتظر، منتهى رغبة الراغبين، وغاية منية الطالبين، وأحمد عواقب الصابرين، وحبيب قلوب المؤمنين، وفرجا لعبادك المختارين، رحمة منك لهم يا رب السماوات والارضين. اللهم أنجز له كل وعدك، وحقق فيه موعدك، وأستخلفه في ارضك كما وعدتنا به. اللهم أورثه مشارق الارض ومغاربها التي باركت فيها، ومكن له دينك الذي ارتضيته له، وثبت بنيانه، وعظم شانه، وأوضح برهانه، وعل درجته، وأفلج حجته، وشرف مقامه، وأمض رأيه، واجمع شمله، وانصر جيوشه وسراياه ومرابطيه، وأنصاره وأشياعه، وأتباعه وأعوانه، وحزبه وجنوده وأحباءه وخيرته وأولياءه وأهل طاعته. اللهم انصرهم نصرا عزيزا، وافتح له فتحا مبينا، واجعل له من لدنك على عدوك وعدوه سلطانا نصيرا. اللهم وأمدده بنصرك بملائكتك وبالمؤمنين، واجعلنا له حواريين، ننصره حتى نعزره ونقره ونؤمن به نصدقه ونعزه ونعز به. اللهم فاكشف عنا به العمى، وأذهب به عنا الضر، واهدنا به سبيل الراشدين، وتول نصر دينك على يد وليك، واجعلنا ممن جاهد في سبيلك، وطهر الارض باظهاره من القوم الظالمين حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لك يا رب العالمين. اللهم أظهره، وأعز باظهاره واظهارك له أولياءك وزد في أعمارهم، وأيده وأيد به وأعلنه ولا تخفيه، وامحق قبل اظهارك له اعداءك وأعز أولياءك، وزد في أعمارهم وطول في آجالهم، وتمم أيامنا ولا تقصر مددنا، ولا تمتنا بحسرة من لقاء سيدنا حتى ترينا وجهه وتشهدنا شخصه، وأسمعنا كلمته، وتنجينا في أيامه، وترزقنا نصرته في أعمالنا ونياتنا وقلوبنا، وشرفنا في دولته الزاكية المباركة الطاهرة المرضية فانما نحن


 

[ 33 ]

أولياؤك يا رب العالمين. اللهم وأنزل اللعنة الكافية، المغضبة المردية، المخزية المخسرة المدمرة على أعدائك وأعداء ملائكتك وأنبيائك ورسلك وأصفيائك وأوليائك المخلصين، من الظالمين الاولين والآخرين، وعلى أشياعهم وأتباعهم وأحبائهم وحزبهم وجندهم ورعيتهم، ومن تابعهم بقلبه وعمله، ومن أحمد لهم رأيا وأمرا، ورضي لهم فعلا واستطال لهم رأيا، وقال فيهم خيرا، ودفع عنهم شرا، وزدهم عذابا ضعفا في النار، والعنهم كثيرا، واصلهم سعيرا، ولقهم ثبورا، وتبرهم فيها تتبيرا، ولا تذر منهم كبيرا ولا صغيرا، وأدخلهم في العذاب، ولا تخفف عنهم يوما منه، وخلدهم في الدرك الاسفل من النار، وعذبهم عذابا لا تعذب به احدا من العالمين، وطهر الارض منهم اجمعين، ومن بدعهم وخلافهم وجحدهم وجورهم وظلمهم وغضبهم وغشهم وآثامهم وأوزارهم ومكرهم وخداعهم وسيئاتهم، واجعل الارض منهم جميعا قاعا صفصفا، لا نرى فيها عوجا ولا أمتا. واجعلنا ممن برئ اليك من أعمالهم والتباسهم وجرائرهم، وثبتنا على ما إليه هديتنا من موالاة اوليائك وعداوة اعدائك، واجعلنا من الموفين بعهدك وعقدك وميثاقك الذي الهمتنا لسعادتنا، ولا تضلنا بعد إذ هديتنا، وزدنا بصيرة وايمانا، ويقينا ورضى وتسليما، ولا ترنا حيث نهيتنا ولا تفقدنا من حيث أمرتنا أبدا ما أبقيتنا، بطولك ومنك يا أرحم الراحمين ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، وهو حسبنا ومرجانا، وعليه توكلنا.


 

[ 35 ]

الباب الاول باب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)


 

[ 37 ]

قال السيد أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي (رضي الله عنه): حدثني جعفر بن محمد بن مالك البزاز الفزاري الكوفي، قال: حدثني عبد الله بن يونس السبيعي، قال: حدثني المفضل بن عمر، عن سيدنا ابي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام). قال الحسين بن حمدان: حدثني محمد بن اسماعيل الحسني، عن سيدنا ابي عبد الله الحسن بن علي (عليهما السلام) وهو الحادي عشر من الائمة (عليهم السلام)... قال الحسين بن حمدان: حدثني منصور بن صفر، قال: حدثني أبو بكر أحمد بن محمد القرباني المتطبب ببيت المقدس، لعشر خلون من شهر شعبان سنة اثنين وثلاثمائة، قال: حدثني نصر بن علي الجهضمي، قال: سالت سيدنا ابا الحسن الرضا علي بن موسى بن جعفر (عليهم السلام)، عن أعمار الائمة من آل رسول الله (عليهم السلام) فقال الرضا (عليه السلام): حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين بن علي أمير المؤمنين (عليه السلام):


 

[ 38 ]

ما رواه عن جعفر بن محمد بن مالك، عن عبد الله السبيعي، عن المفضل بن عمر عن مولانا الصادق (عليه السلام)... ما رواه عن محمد بن اسماعيل الحسني، عن أبي محمد الحسن، الحادي عشر من الائمة (عليهم السلام)، فقالوا جميعا: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مضى، وله ثلاث وستون سنة منها اربعون سنة قبل أن ينبا ثم نزل عليه الوحي ثلاثا وعشرين سنة، بمكة وهاجر الى المدينة هاربا من مشركي قريش وله ثلاث وخمسون سنة، وأقام بالمدينة عشر سنين، وقبض يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول من احدى عشرة سنة من سني الهجرة. أسماؤه: وكان اسمه في القرآن محمد، وأحمد، ويس، وطه، ونون، وحم عسق، والحواميم السبعة، والنبي، والرسول، والمزمل، والمدثر، والطواسين الثلاثة، وكل ألف ولام وميم وراء وصاد في اول السور فهو من أسمائه، وكهيعص. وفي صحف ابراهيم إلى آدم (صلى الله عليهما) بالسريانية - مفسرا بالعربية - النبي والمحمود، والعاقب، والناجي، والحاشر، والباعث، والامين. وكان اسمه في التوراة الوفي، وماد الماد. وفي الانجيل: الفارقليط. وفي الزبور: مهيمنا، وطاب طاب. كنيته وألقابه: أبو القاسم. وأمه آمنة ابنة وهب بن عبد مناف بن قصي، بن


 

[ 39 ]

كلاب، بن مرة. وألقابه (صلى الله عليه وآله): صفي الله، وحبيب الله، وخاتم النبيين، وسيد المرسلين، والامي، والمنتجب، والمختار، والمجتبى، والشاهد، والنذير، والداعي الى الله، والسراج المنير، والرحمة، والمبلغ والمصطفى. ومشهده بالمدينة، واسمها يثرب وطيبة. أولاده: قال الحسين بن حمدان الخصيبي: حدثني أبو بكر بن أحمد بن عبد الله، عن أيبه عبد الله بن محمد الاهوازي - وكان عالما باخبار اهل البيت (عليهم السلام) - قال: حدثني محمد بن سنان الزاهري عن أبي بصير، وهو القاسم الاسدي - لا الثقفي - عن أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) قال: قال ولد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) من خديجة ابنة خويلد (عليها السلام) القاسم، وبه يكنى، وعبد الله، والطاهر، وزينب، ورقية، وام كلثوم، وكان اسمها آمنة، وسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وابراهيم من مارية القبطية، وكانت أمة اهداها المقوقس ملك الاسكندرية. فاما رقية: فزوجت من عتبة بن أبي لهب، فمات عنها، فزوجت لعثمان بن عفان. وكان السبب في ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نادى في أصحابه بالمدينة: من جهز جيش العسرة، وحفر بئر رومة، وأنفق عليها من ماله ضمنت له بيتا في الجنة عند الله، فقال عثمان بن عفان: أنا أنفق عليها يا رسول الله من مالي، فتضمن لي البيت في الجنة ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنفق عليها يا عثمان، وأنا الضامن لك على الله بيتا في الجنة. فانفق عثمان على الجيش والبئر من ماله طمعا في ضمان رسول الله


 

[ 40 ]

(صلى الله عليه وآله) وألقي في قلب عثمان أن يخطب رقية من رسول الله فعرض ذلك على رسول الله، فقال رسول الله: إن رقية تقول لك لا تزوجك نفسها الا بتسليم البيت الذي ضمنته لك عند الله عز وجل في الجنة تدفعه إليها بصداقها، فاني أبرأ من ضماني لك البيت بتسليمه إليها إن ماتت رقية أو عاشت، فقال عثمان: أفعل يا رسول الله، فزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأشهد على عثمان في الوقت أنه قد برئ من ضمانة البيت له، وأن البيت لرقية دونه، لا رجعة لعثمان على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه، إن عاشت رقية أو ماتت. ثم إن رقية توفيت قبل أن تجتمع بعثمان، ولهذا السبب زوجت رقية نفسها. وأما زينب: فزوجت من أبي العاص بن الربيع، فولدت منه بنتا سماها امامة، فتزوج بها امير المؤمنين بعد وفاة فاطمة (عليها السلام). وأما ام كلثوم: فانها لم تتزوج بزوج، وماتت قبل وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله). وروي أن زينب كانت ربيبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من جحش بعد خديجة قبل النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يصح هذا الخبر، ولا ملك خديجة احد غير رسول الله ولا ملك زوجة غيرها حتى توفيت. أزواجه: وكانت من أزواجه بعدها ام ايمن، وام سلمة، وميمونة بنت الحارث الهلالية، ومارية القبطية - وكانت امة - افضل أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبعدهن صفية، وزينب زوجة زيد بن حارثة. والمذمومات عائشة وحفصة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وهن ممن قال الله فيهن (عسى ربه ان طلقكن ان يبدله ازواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وابكارا)، وهذا أوضح دليل أنه لم يكن فيهن من هذا الوصف شئ.


 

[ 41 ]

وقال الله تعالى: (يا نساء النبي من يات منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) وقوله: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى) وقد عرف من خرج وتبرج وشهد على أولاد الانبياء (عليهم السلام) أنهن إذا عصين عذبن بالنار. وقال الله سبحانه وتعالى: (وضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين). وجمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين ثلاث عشر امرأة وتوفي عن تسع أزواج. دلائله وبراهينه: ومن دلائله وبراهينه (عليه السلام). 1 - ما رواه السيد الحسين بن حمدان الخصيبي، عن ابن علي البلخي، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن الحسين بن ابي العلاء، عن ابي عبد الله جعفر الصادق (صلوات الله عليه) عن آبائه (عليهم السلام) قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد أصابه جوع شديد، فمر بامير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا علي هل عندك طعام نطعمه ؟ فقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبيا واصطفاك على البشر ما طعمت طعاما منذ ثلاثة ايام، فاخذ (عليه السلام) بيده وانطلقا فإذا هما بالمقداد بن الاسود الكندي، وأبي ذر، وعمار بن ياسر، فقال لهم رسول الله: الى أين ؟ فقالوا: إليك يا رسول الله، فقال: هل عند أحدكم طعام ؟ فقال القوم جميعا ما أخرجنا الا الجهد يا رسول الله، فقال: أبشروا فان الله عز وجل أمر الجنة أن تتهيأ باحسن هيئتها فتهيات، وقال لها: يا جنتي لمن تحبين ان يسكنك ؟ فقالت: أحب خلقك عليك، فقال لها: اني جعلت سكانك محمدا رسولي وأهل بيته (صلوات الله عليهم واصحابه وشيعته)


 

[ 42 ]

وأنتم والله أصحابي وشيعتي وشيعة اهل بيتي وعترتي، ثم اخذوا في طريقهم فمروا بمنزل سعد بن مالك الانصاري، فلم يلقوه، فقالت زوجته: يا رسول الله فداك أبي وأمي أدخل أنت واسحابك، فان سعدا ياتيك الساعة، فدخل هو واصحابه جميعا فارادت ان تذبح عنزا لهم فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ماذا تريدين ؟ قالت: اذبح هذه العنزة لك ولاصحابك، فقال لها: لا تذبحيها فانها عنزة مباركة ولكن قربيها مني، فقالت: يا رسول الله انها ليس لها لبن، وهي سمينة، وقد عقرها الشحم، فلم تحمل. قال قربيها الي فادنتها منه فمسح يده المباركة على ظهرها فانزلت لبنا فاحتلبها، ونزع الاناء فشرب وأسقى أصحابه حتى رووا من ذلك اللبن. ثم قال لها: يا ام مالك إذا أتاك سعد فقولي له: يقول لك رسول الله: اياك ان تخرج هذه العنز من دارك، فانها من قابل تحمل وتضع ثلاث سخلات في بطن، ويحملن جميعهن من قابل وتضع كل واحدة منهن اربع سخلات في بطن. ثم نظر في داره وإذا هو ببقرة حمراء فقال لامرأة سعد: قولي لسعد: يستبدل بهذه البقرة بقرة سوداء، فانها تضع عجلتين ببطن واحد ثم تحملان عن قليل مع أمهما فيضعن جميعا اثنين اثنين، ورأى في جانب داره نخلة اشر ما يكون من النخل فصعد إليها وتكلم بكلام خفي، فانزل الله فيها بركته، فحملت حملا حسنا وارطبت رطبا حسنا لم يكن في المدينة رطب بشبهه ولا رؤي مثله، ودعا لسعد وأهله بالبركة. وبشرها بغلام وذلك أنها قالت: يا رسول الله فديتك بابي وأمي انا حامل، فادع لي، فدعا لها ان يهب الله لها غلاما ذكرا سويا. وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن معه وأقبل سعد الى اهله فاخبرته بدخول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه


 

[ 43 ]

السلام) والمقداد وأبي ذر وما قاله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لها وما فعل بالعنز والبقرة والنخلة، وما بشرها به ودعائه لها ففرح سعد بذلك واقبل الى النبي، فقال له: يا سعد أخبرتك أم مالك بما قالت وقلت لها ؟ قال: نعم. قال استبدل ببقرتك بقرة سوداء فان الله تبارك وتعالى يهب لك منها عجلتين، ويولد لك غلام. قال أبو عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام): ما خرجت تلك السنة حتى وهب الله له منها غلاما، ورزق جميع ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وما مضى له أربع سنين حتى كان أكثر أهل المدينة مالا وأخصهم بها رجلا وكان النبي (صلى الله عليه وآله) اكثر ما ياتي هو واصحابه الى منزل سعد. 2 - وعنه، قال حدثني عبد الله بن جرير النخعي، عن أبي مسعود المدائني، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) قال اقبل اعرابي الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو مع أصحابه جالس، فقال: يا رسول الله كنت رجلا مليا كثير المال، وكنت أقري الضيف، وأجل وأجبر، وآمر بالمعروف وأنهي عن المنكر، وكان لله علي نعمة، فذهب جميع ما كنت أملك من قليل وكثير، فشمت بي أقاربي واهل بيتي فكانت الشماتة علي اعظم من زوال النعمة وما ابتليت به. قال: صدقت في جميع ما ذكرت، ثم التفت الى جميع اصحابه، فقال: من معه شئ يدفع الى هذا الرجل ؟ فقالوا: يا رسول الله ما يحضرنا شئ، فقال: سبحان الله ما أعجب هذا: ثم حول وجهه ضاحكا مستبشرا، ورفع مصلى كان تحته وإذا بسبيكة ذهب فدفعها إليه وقال له: خذها واشتر بها غنما ضانا، فانها تبقى عليك إلى ان تموت. فقال الاعرابي: ادع لي يا رسول الله أن يكثر الله مالي وولدي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اللهم أكثر ماله وولده.


 

[ 44 ]

قال أبو جعفر (عليه السلام): فما مات الاعرابي حتى ولد له اثنا عشر ولدا ذكورا، وعشر بنات، وكان اكثر العرب مالا ويقال: ان الاعرابي علقمة بن علاقة العامري. 3 - وعنه، قال: حدثني جعفر بن أحمد القصير، عن أحمد بن جبلة، عن زيد بن خالد الواقفي، عن عبد الله بن جرير، عن يحيى بن نعيم، عن أبي حمزة الثمالي، عن جابر بن عبد الله بن عمر بن حزام الانصاري، قال: خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الى بني قريظة، وأقمنا الى أن فتح الله على رسول الله وعلينا، فانطلقنا راجعين وكان في طريقنا رجل من اليهود، فلما قربنا من كنيسته تلقانا والتوراة على صدره منشورة مزينة، فلقي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرحب به وقربه، وقال له: يا أخا اليهود، ما لك قد سعيت إلينا بالتوراة العظيمة القدر في كتب الله المنزلة ؟ فقال له اليهودي: جعلتها وسيلتي اليك يا رسول الله لتنزل وتاكل من طعامي، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) لقد توسلت بعظيم، وانا مجيبك يا اخا اليهود. ثم نزل ونزلنا، فإذا بطعام اليهودي قد حضر وحضر معه من تولى اصلاحه من المسلمين، وقال اليهودي: يا ايها النبي أنا ما صنعت طعامك بيدي، بل قوم من أهل دينك لانا عرفنا انك تكره طعامنا أهل الملل قبلك، فجلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان على الطعام خروف مشوي، فغسل النبي يديه وغسلنا أيدينا، ومددنا الى الطعام، ودعا بالبركة، وضرب بيده الى الخروف، فثغا الخروف واضطرب، فرفع رسول الله يده عنه ورفعنا أيدينا عنه، فقال رسول الله: يا اخا اليهود عرفنا توسلك وعرفنا التوراة حقا، وضيعت ما حفظناه فيك أغواك الشيطان حتى رأيت هذا الخروف وسمعت منك ما قد عرفته من نفسي. قال اليهودي: فان كنت رسول الله حقا فاسال الله أن ينطق هذا


 

[ 45 ]

الخروف كما أحياه لك فيخبرك بقصتنا. فقال النبي (صلى الله عليه وآله): اللهم اني أسالك بقدرتك التي ذل لها ملكك الا ما انطقت هذا الخروف بهذه القصعة، فقال الخروف في وسط القصعة اشهد ان لا اله الا الله، وأنك محمد رسول الله، وأن الذي كان سمني لك عدوك عتيق وزفر صارا الى هذا اليهودي فدفعا إليه عشرين دينارا وعهدوا له ولقومه من اليهود ان لا يؤذوا، وأن لا يسخروا ولا يعشروا، ولا يكرهوا على شئ يريدونه، وأنه دس السم في الطعام وتلقاك به، وقالا له: القه في التوراة فانه يعظمها، واساله ان ينزل بك، وهاك هذا الخروف وهذه العشرين دينارا، فاتخذ بها خبز البر وفاخر أطعمة الاعاجم طبيخا ومشويا، ودس هذا السم بهذا الخروف ففعل ذلك. قال جابر بن عبد الله: والله لقد ظننا أن شنبويه وحبتر - لعنهما الله - قد ماتا، لانهما طاطا وجوههما. قال النبي (صلى الله عليه وآله): أرفعا رؤوسكما، لا رفع الله لكما صرعة، ولا اقالكما عثرة، ولا غفر لكما ذنبا ولا جريرة، وأخذ بحقي منكما، الى كم هذه الجرأة على الله ورسوله ؟ فاظهرا اختلاط عقل ودهشة حتى حملا رحليهما. وضرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده الى الخروف وقال له: ارجع باذن الله مشويا كما كنت، فرجع الخروف كما كان. فقال النبي (صلى الله عليه وآله) - وقد ضرب بيده الى لحمه - بسم الله الذي لا يضر مع اسمه داء ولا غائله، واكل، ثم قال كلوا يرحمكم الله، فقال اليهودي: أنا أشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له، وأنك محمد عبده ورسوله حقا حقا، وإله موسى وهارون وما أنزل في التوراة لقد قص عليك الخروف القصة، ما نقص حرفا ولا زاد حرفا. وأسلم اليهودي وغزا ست غزوات واستشهد في ذات السلاسل، رحمه


 

[ 46 ]

الله. 4 - وعنه عن أحمد بن محمد الحجال، عن جعفر بن محمد الكروزوني، عن الحسن بن مسكان، عن صفوان الجمال، قال: قال جعفر بن محمد الصادق (صلوات الله عليه) لما نزلت هذه الآية (وانذر عشيرتك الاقربين) دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) فقال: يا علي اصنع لنا طعاما فخذ شاة وصاعا من بر، وادع عشرة من بني هاشم وبني عبد المطلب، فصنع علي ما أمره رسول الله، وأدخلهم عليه، وكان الرجل منهم ياكل الجذعة وحده، فقرب علي منهم المائدة وقدم القصعة ووضع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يده على دورة القصعة، وقال: هلموا وكلوا على اسم الله فاكلوا حتى صدروا، وفضل كثير، فبادرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالكلام، وقال: أيكم - يا بني عبد المطلب - يقضي ديني، وينجز وعدي، ويقوم مقامي، ويكون خليفتي في أهلي ومالي، وأكون أخاه ويكون اخي في الدنيا والآخرة، ويكون وزيري وخليلي وصفيي وموضع سري، ويكون معي في درجتي ؟ فسكت القوم كلهم، فقال علي (عليه السلام): يا رسول الله أنا أقضي دينك وأنجز وعدك، واكنون خليفتك في امتك وأهلك، وأكون أخاك وتكون اخي واكون معك وعلى درجتك في الدنيا والآخرة. وكان علي (عليه السلام) أصغرهم سنا، وأعظمهم بطشا، وأحمشهم ساقا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد فعلت يا علي فوجبت يومئذ المؤاخاة والموازرة له (عليه السلام). 5 - وعنه عن محمد بن اسحاق، عن عتبة بن مسلم - مولى بني تميم - وعبد الله بن الحارث، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الله بن العباس، عن علي بن ابي طالب (صلوات الله عليه)، قال: لما


 

[ 47 ]

نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا علي إن الله أمرني أن (أنذر عشيرتك الاقربين) فضقت ذرعا، وعرفت انني متى أبديت لهم ذلك أرى منهم ما اكره فصمت حتى جاءني جبرائيل (عليه السلام) فقال: يا محمد إنك ان لم تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك فاصنع لي ا علي صاعا واجعل عليه رجل شاة، واملا لنا عسا من لبن واجمع لي بني عبد المطلب حتى اكلمهم وأبلغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم وهم يومئذ اربعون رجلا لا يزيدون رجلا ولا ينقصون رجلا، وجئت بالطعام فلما وضعته تناول رسول الله (صلى الله عليه وآله) جذوة من اللحم فشقها في نواجذه ثم ألقاها في نواحي الطعام في القصعة، ثم قال: خذوا بسم الله، فاكل القوم حتى ما بهم من حاجة وما أرى الا مواضع ايديهم، وايم الله الذي نفس علي بيده، لقد كان الرجل منهم ياكل ما قدمت لجميعهم. ثم قال: اسبق القوم، فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا جميعا وأيم الله لقد كان الرجل منهم يشرب مثله. فلما اراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ان يكلمهم بدره أبو لهب، فقال: لقد سحركم صاحبكم، فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال من الغد إن هذا الرجل قد سبقني الى ما سمعت من القول فتفرق القوم ولم أكلمهم، فاعد لنا من الطعام مثل ما صنعت ثم اجمعهم الي، قال ففعلت ثم جمعت، ودعا بالطعام فقربته إليهم ففعل كما فعل بالامس، فاكلوا حتى ما بهم من حاجة ثم قال: اسقهم فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا، ثم تكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا بني عبد المطلب اني والله ما اعلم أن إنسانا في العرب جاء قومه بافضل مما جئتكم به، واني جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فايكم يوازرني على امري هذا كله، على أن يكون اخي ووصيي ووليي وخليفتي فيكم ؟ فاحجم القوم


 

[ 48 ]

عنها جميعا فقلت: - والله إني أحدثهم سنا، وأطولهم باعا، وأعظمهم بطشا وأحمشهم ساقا - أنا يا رسول الله موازرك، فاخذ رقبتي بيده، وقال: هذا أخي ووصيي وخليفتي، فاسمعوا له واطيعوا. قال فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب: قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيعه طاعة لا بطانة بها. 6 - وعنه عن علي بن الحسين المقري، عن يحيى بن عمار، عن جعفر بن سنان الزيات، عن الحسين بن معمر، عن ابي بصير عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: سار أبو طالب الى الشام في بعض ما كان يخلف النبي (صلوات الله عليه) بمكة، فكان يومئذ صغيرا، فلما صار معه الى الشام خلفه أبو طالب في رحله، ودخل يمتار حوائجه، والنبي (صلى الله عليه وآله) عند شجرة عند دير النصارى فاوى الى تلك الشجرة، فنام فلم يزل نائما، وكان لا يقدر أحد من الناس أن يدنو الى تلك الشجرة ولا يقربها، مما كان عندها من الهوام والحيات والعقارب، وبحيرا الراهب ينظر الى النبي (صلى الله عليه وآله) والى القوم، فاقبل يتعجب من ذلك، وقال: هذا غلام غريب نائم ها هنا، وأخاف عليه من الهوام فاقبل إليه فانتبه من نومه ودعاه إليه، فاقبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإذا هو معافى لم يمسه سوء مما خاف عليه بحيرا الراهب. فقال: يا غلام، من أنت ؟ وكيف صرت الى تحت هذه الشجرة ؟ فقال: خلفني ها هنا عمي ومضى يقضي حوائجه من الشام، وان لي حافظا من الله. فقال له بحيرا: من أنت ؟ وما اسمك ؟


 

[ 49 ]

فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. قال: هل لك اسم غير هذا ؟ قال: نعم أحمد. قال: هل لك اسم غير هذا ؟ قال: الامين. قال بحيرا: اكشف لي عن كتفك، فكشف له فنظر بحيرا الى خاتم النبوة بين كتفيه، فلما رآه قبل فوق الخاتم، وأقبل أبو طالب وقد باع حوائجه، فقال بحيرا: ما هذا منك ولا انت منه، فقد رأيت من هذا الغلام عجبا، ما نام تحت هذه الشجرة بشر وسلم من الهلاك، ولم يزل هذا الغلام نائما تحتها وجميع ما تحتها من الحيات والعقارب حوله تحرسه في نومه. فقال أبو طالب: هذا أبن أخي. قال له: ما فعل أبوه ؟ قال: مات قال: ما فعلت أمه ؟ قال: ماتت. قال: ما اسمه ؟ قال: محمد. قال: هل له اسم غير هذا ؟ قال: نعم، أحمد. قال: هل له اسم غير هذا ؟ قال: الامين. قال: ان ابن اخيك هذا نبي ورسول، ولا تذهب الايام والليالي حتى يوحي إليه الله، ويسوق العرب بعصاه ويملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، فاتق عليه خاصة من قريش واليهود فانهم اعداء له من بين الناس. قال له أبو طالب: يا هذا رميت ابني بامر عظيم، أتزعم أنه نبي ولا تذهب الايام والليالي حتى يملا الارض عدلا، وقسطا كما ملئت جورا وظلما، شرقا وغربا، ويسوق العرب بعصاه ؟ قال بحيرا: لقد والله أخبرتك عن أمره، وهذا الذي نجده عندنا مكتوبا في سفر كذا وكذا من الانجيل، وهو الذي بشرنا به السيد عيسى بن مريم (عليه السلام)، ولم اقل فيه إلا


 

[ 50 ]

الحق، فالله الله في الغلام لا تقتله قريش واليهود، فاكتم علي ما قلت لك، وأنا أشهد أنه محمد رسول الله، وأنه الغلام الهاشمي القرشي الابطحي، وانه عندنا مكتوب اسمه واسم أبيه من قبل، وإن أنكر من أنكر واعلم أنك تلقى رجلا من اخواني ممن هو على ديني وقد قرأ مثل ما قرأت من هذه الكتب بارض تهامة، وسيقول لك بهذا الغلام ما قلته لك. وكان صاحب بحيرا ورقا بن نوفل، وكانا جميعا ممن استحفظ الانجيل واخبار محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وكانا اعلم اهل زمانهما، فرجع فرحا بما سمع من بحيرا الراهب، حتى إذا دخل أرض تهامة استقبله ورقا بن نوفل الراهب وهو من المستحفظين الذين استودعوا علم الانجيل والزبور، فقال ورقا بن نوفل مثل ما قاله بحيرا، وقال: اكتم علي يا شيخ ما قلته في هذا الغلام، قال: وانتشر خبر النبي (صلى الله عليه وآله) بارض تهامة وكلام ورقا، فاقبلت قريش الى ورقا بن نوفل. فقالوا: ما هذا الذي انتشر عنك فيما قلت من هذا الغلام ؟ والله لئن نطقت فيما نطقت به من أمره لنقتلنك باعظم قتلة، فاعلم ذلك فخاف ورقا على نفسه فخرج من أرض تهامة، وقد اظهر من امر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أظهر وأشهد على نفسه أنه يشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله، وانه نبي ورسول، وقصد الى الشام هاربا من قريش لانه خالفهم على نفسه، فما لبث النبي بعد ما قاله ورقا وبحيرا إلا يسيرا حتى أظهر الله دعوته وطلبوا ورقا بن نوفل فلم يقدروا عليه، وحفظه أبو طالب من قريش، واستوهب النبي (صلى الله عليه وآله) عليا بن ابي طالب من أبيه فوهبه له فدعاه الى الاسلام، والى دين الله فاجابه يومئذ وهو ابن سبع سنين، فكان أول من أسلم علي بن ابي طالب (عليه السلام) فمكث على ذلك سنتين، وكان أبو طالب يقول لعلي: أطع ابن عمك واسمع قوله، فانه لا يالوك خيرا فكانا يصليان جميعا ويكتمان ما هما فيه حتى اظهر الله امر دينه فكان هذا من دلائله (عليه السلام).


 

[ 51 ]

7 - وعنه عن أبي العباس، عن أبي غياث بن يونس الديلمي، عن أبي داود الطوسي، عن محمد بن خلف الطاطري، عن ابي بصير، عن ابي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام)، قال: لما بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أربعة عشر سنة، وكان يومئذ اقل أهل المدينة مالا، فاكرى نفسه لخديجة ابنة خويلد (عليها السلام) على بكر وحقة، وخرج غلام خديجة الى الشام وكان لها غلام، صدوق اسمه ميسرة فأمرته خديجة - لما اراد الخروج - أن لا يخالف النبي فيما يامره به إذ رأيه سديد معروف بذلك، وكانت قريش لا تصدر عن رأيه في كل ما ياتيهم به، ويخوفهم من امره فلذلك وصت خديجة ميسرة ان لا يخالف امره، وخرجا الى الشام فباعا ما كان معهما من التجارة وربحا ربحا ما ربحت خديجة بمثله، ورزقت بتلك السفرة ما لم ترزق مثله ببركة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فاقبلا بتلك الغنيمة، وما رزق الله، حتى إذا قربا من ارض تهامة قال ميسرة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لو تقدمت الى خديجة فبشرتها بما رزقها الله رجوت لك منها جائزة عظيمة، ففعل النبي ذلك. وكان لخديجة منظرة في مستشرف الطريق تقعد فيها ونساء قومها، وكانت قاعدة في المنظرة تنظر إليه ومن معها من النساء فقالت لهن يا هؤلاء ما ترين ان لهذا الرجل قدرا عظيما ؟ اما ترينه منفردا وعلى رأسه غمامة تسير بمسيره، وتقف لوقوفه وتظله من الحر والبرد، والطير ترفرف عليه باجنحتها، ولها زجل وتسبيح وتمجيد وتقديس لله رب العالمين، يا ليت شعري من هو ؟ وانه مقبل نحوها، فقالت: أظن هذا الرجل يقصد حينا فلما دنا منها تبينته، فقالت لهن: هذا محمد بن عبد الله، ! فقرب منها فسلم، فردت (عليه السلام) وقربته منها، ورفعت مجلسه، فبشرها بما رزقها الله تعالى من تجارتها، ففرحت بذلك فرحا شديدا، وازدادت فيه رغبة وضاعفت له الرزق اضعافا، وقالت: يا محمد اعرض عليك أمرا وهي حاجة لي بعضها وهي لك حظ ورغبة، قال: وما هي ؟ قالت:


 

[ 52 ]

اريد ان تتزوجني، فقد تباركت بك، ورأيت منك ما أحب، وأنا من عرفت شرفي وحسبي ونسبي وموضعي من قومي وسيادتي في الناس، وكثير لا ينالون تزويجي، وقد عرضت نفسي عليك. فقال لها: رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو تفعلين ذلك ؟ فقالت: ما قلت الا ما أريد ان أفعله فقال لها: حتى أستأمر عمي، وأخبرك ما يكون ان شاء الله تعالى. وانطلق الى عمه فاخبره ما قالت خديجة، فقال له عمه: يا بني إنها من قوم كرام فتزوجها، ولا تخالفها فانها فائقة في الحسب والنسب والشرف والمال، وهي رغبة لمن تزوجها، فاقبل إليها وأخبرها بما قاله عمه، فقالت: إذا كان يوم كذا وكذا، فاقبل: فلما كان اليوم المعلوم أقبل ابن عمها وأهلها، وتهيات خديجة لما أرادت ونحرت البدن، واتخذت طعاما كثيرا. واقبل النبي (صلى الله عليه وآله) وعمه وبنو عمه وأهل بيته من بني عبد المطلب خاصة، وأرسلت خديجة الى عمها وأهل بيتها فدعتهم ولم يلعم الفريقان إلى ما دعوا فاطعمت القوم الطعام ونحرت البدن على الجبال والشعاب والاودية بمكة وجعلتها قرى للناس والطير والسباع والهوام سبعة أيام، وأمرت بسقي القوم، فلما شربوا وأخذوا في حدثهم قال أبو طالب لعمها: لنك في الشرف العظيم من قومك، وأنت الكفؤ الكريم، ومحمد بن عبد الله ولد أخي وهو لا يجهل حسبه ولا ينكر نسبه، وقد أتاك خاطبا خديجة ابنة خويلد، وهو ممن قد عرفتم أمره وحاله. فقال عمها: يا أبا طالب، خديجة مالكة نفسها، وأمرها إليها، فارسل إليها واستاذنها. فارسل إليها عمها يستامرها، فقالت: يا عم زوجه فانه بالنسب الثاقب والفرع الباسق، وليس هذا ممن يرد فزوجه عمها في مجلسه،


 

[ 53 ]

وذلك بمحضر من الفريقين فخرجوا قريرة أعينهم بمجلسهم، وما كان من خديجة في تزويج محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك أنها خطبت من أكابر قريش وسائر العرب، فلم تزوج نفسها فلما خرجوا احتبس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، عندها، فقالت له: يا محمد ما نحلتك ؟ قال: البكر والحقة، وهما نحلة، مني اليك، وما اضعفت لي بعد ذلك من الرزق فهو في بيتك في موضع كذا وكذا، فقالت: قد قبلته وقبضته، فادخل باهلك متى شئت، فبات عندها ليلته من أقر الناس عينا وأحبهم إليها من جميع الناس. وأصبحوا من غد ذلك اليوم فقدم بعض حساد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الى عمها وقالوا: زوجت بنت أخيك بغلام فقير قليل المال ؟ فاقبل عمها الى ابي طالب نادما، وقد بلغ ابا طالب ندامته، فقال له: يا هذا ان المال ياتي ويذهب، وقد رأينا من لم يكن له مال فرزقه الله مالا ورزقا حسنا واسعا، وقد بلغ خديجة ذلك فارسلت إليه، فاقبل إليها وهو نادم على ما كان منه، فقالت له: يا عم لا تتهمني في نفسك، ما زوجته أنت، بل الله زوجه، فهو ممن عرفت شرفه وكرمه وأمانته، فقال لها: نعم، صدقت هو كما تقولين وأفضل، ولكن ليس له مال، قالت له: يا عم اني ما قدمت الا على بصيرة، وقد رأيت بعيني ما رأيت، ورأى ذلك نساء قريش معي، قال: ما الذي رأيت ورأين ؟ قالت: قد أقبل من تجارتي التي انفذته بها مبشرا بالارباح التي رزقني الله عليه يده وانا جالسة، في المنظرة فرأيته مقبلا فردا وعلى رأسه غمامة تسير بمسيرة، وتقف بموقفه، وتظله من الحر والبرد، ورأينا رجالا باجنحة لا بايد من حوله ومن فوقه يسيرون بمسيره ويكنفونه ويرفون عليه باجنحتهم ولهم زجل بالتسبيح والتهليل والتمجيد والتقديس لله عز وجل، فهذا ما رأيت ونساء قومي، وقلت لهن: ترين هذا الرجل الكريم على الله عز وجل العظيم المنزلة عند الله، الذي أظله بالغمام وحفه بالملائكة ؟ الى أن أن قرب مني فتبينته فرأيته


 

[ 54 ]

محمدا بن عبد الله، ورأى نساء قومي، فمن أجل ذلك يا عم رغبت فيه، وعلمت أن له شانا عظيما، ويؤول الى نبوة ورسالة فسر عمها وخرج وقال: يا خديجة اكتمي هذا الامر، ولا تظهريه، ولا تذكري شيئا من الغمام والملائكة فتسمع به قريش فتقتله، وخرج من عندها، وقالت: اكتم أنت ذلك يا عم فانه قد بات عندي ودخل باهله، فعند ذلك شكره العم وعرف فضله فكانت هذه من دلائله (عليه السلام). 8 - وعنه عن أبيه حمدان بن الخصيب، عن أحمد بن الخصيب، قال: كنا بالعسكر ونحن مرابطون لمولانا أبي الحسن وسيدنا أبي محمد (عليما السلام) قال: لما اظهر الله دينه، ودعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى الله، كانت بقرة في نخل بني سالم، فدلت عليه البقرة وآذنت باسمه، وأفصحت بلسان عربي مبين - في جميع آل ذريح - فقالت: يا آل ذريح، صائح يصيح بان لا اله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدا رسوله حقا. فاقبل آل ذريح الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فآمنوا به وكانوا أول العرب إسلاما وايمانا وطاعة لله (عز وجل) ولرسوله. 9 - وعنه، عن أبيه، عن عمه، بهذا الاسناد، عن الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: تكلمت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقرة، وهي كانت في نخل آل بني سلام فصاحت لال ذريح: الذئب، وهو الذي أقبل الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فشكا إليه الجوع فدعا النبي بالرعاة، فقال: افترضوا له شيئا، فخشوا، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للذئب: أختلس ما تجد، فصار الذئب يختلس ما يجد لانه مسلط. قال أبو عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام): وايم الله لو كانوا فرضوا للذئب ما زاد عليه الى يوم القيامة. وأما الجمل فان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان جالسا


 

[ 55 ]

في اصحابه، إذ نظر الى بعير ناد، حتى اقبل إليه وهو جالس بين اصحابه فضرب في اخفافه ورغا، فقال القوم: يا رسول الله يسجد لك هذا البعير، فنحن احق ان نسجد لك، قال لهم: اسجدوا لله رب العالمين. إن الجمل يشكو الي اربابه ولو أمرت أحدا أن يسجد لاحد لامرت المرأت ان تسجد لزوجها. فوقع في قلب رجل منهم ما شاء الله ان يقع في قلبه من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فما لبث إلا قليلا حتى أتى صاحب البعير، فقال له: يا اعرابي هلم إلي، فما بال هذا البعير يشكو من أربابه ؟ فقال: يا رسول الله ما يقول ؟ قال: يقول: انكم أنختموه صغيرا وأعنفتموه كبيرا، ثم انكم أردتم نحره. قال الاعرابي: والذي بعثك بالحق نبيا واصطفاك بالرسالة نجيا، ما كذب هذا البعير، ولقد قال بالحق. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أعرابي اختر واحدة من ثلاث إما ان تهبه لي، وإما ان تبيعني إياه، وإما أن تجعله سائبا لوجه الله. فقال: يا رسول الله أهبه لك. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اللهم أشهدكم علي أني جعلته سائبا لوجه الله، كان البعير ياتي المعالف فيعتلف منها، ولا يمنعوه حياء من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حتى هلك الجمل فكان هذا من دلائله (عليه السلام) والتحية. 10 - وعنه بهذا الاسناد عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالسا والناس حوله، فقال لهم: انه ياتيني غدا تسعة نفر من حضرموت يسلم منهم ستة، وثلاثة لا يسلمون، فوقع في قلوب الناس من كلامه ما شاء الله أن يقع، فلما أصبحوا وجلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مجلسه، أقبلت التسعة رهط من حضرموت، حتى دنوا من النبي (صلى الله عليه وآله) وقالوا له: يا محمد اعرض علينا الاسلام فعرض رسول الله عليهم


 

[ 56 ]

الاسلام فاسلم منهم ستة، وثلاثة لم يسلموا فوقع في قلوب الناس مرض وانصرفوا. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يموت منهم واحد، وهو هذا الاول، وأما هذا الآخر فانه يخرج في طلب ابل له فيستلبه قوم فيقتلونه، وأما الثالث فيموت بالداء والدبيلة. فوقع في قلوب الذين كانوا في المجلس اعظم ما وقع في الكرة الاولى، فلما كان من قابل أقبل الستة الرهط الذين اسلموا حتى وقفوا على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال لهم: ما فعل الثلاثة أصحابكم الذين كانوا معكم ولم يسلموا ؟ فاخبروه بموتهم - والناس يسمعون - والتفت الى أصحابه فقال لهم: ما قلت لكم في العام الماضي في هؤلاء القوم ؟ فقالوا: سمعنا مقالتك يا رسول الله، وقد ماتوا جميعا في الموتات التي أخبرتنا بها، فكان قولك الحق عند الله، فانت الامين على الاحياء والاموات. فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 11 - وعنه، عن أبي بكر القصار، عن سيف بن عميرة، عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: لما دعا النبي قريشا الى الله وخلع الانداد، اشتد ذلك على قريش، وغمهم غما شديدا، وتداخلهم أمر عظيم، وقالوا: إن ابن أبي كبشة ليدعي أمرا عظيما، ويزعم أنه نبي ورسول فاتاه منهم أبو جهل لعنه الله - عمرو بن هشام بن المغيرة - وأبو سفيان، وسفيان بن حوشبة، وعتبة بن ربيعة، وهشام، والوليد بن عتبة، وصناديد قريش المنظور إليهم، وقالوا: يا محمد تزعم انك نبي ورسول، وقد ادعيت أمرا عظيما لم يدعه آباؤك، ولا أحد من أهل بيتك، ونحن نسالك أمرا ان جئتنا به وأريتنا إياه علمنا أنك نبي ورسول، وان أنت لم تفعل ذلك علمنا أنك تدعي الباطل وتقول السحر والكهانة. فقال لهم: ما حاجتكم ؟ فقالوا: نريد أن تدعو لنا هذه


 

[ 57 ]

الشجرة تنقلع بعروقها وتقف بين يديك، فقال لهم: إن أفعل هذا تؤمنون ؟ قالوا: نعم نؤمن، قال لهم: ساريكم ما تطلبون، وأعلم انكم ما تجيبون ولا تؤمنون ؟ ولا تؤولون الى خير. فقال للشجرة يا أيتها الشجرة، إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر، وتعلمين أني رسول الله حقا فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي. قال: ما استتم كلامه حتى اقتلعت الشجرة ووقفت بين يديه، فلما نظروا إليها اغتموا غما شديدا، وقالوا له: مرها أن ترجع الى مكانها ولياتك قسما سويا فأمرها بذلك فاقبل نصفها وبقي نصفها قالوا: مر هذا النصف يرجع الى الذي كان فيه فأمره فرجع الى موضعه كما كان. فلما رأوه قالوا باجمعهم: تالله ما رأينا مثل هذا السحر، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): قد أخبرتكم انكم لا تؤمنون بما أريكم وقد علمتم أني لست ساحرا ولا كذابا ولا مجنونا. قالوا: يا محمد ما رأينا أعظم من هذا السحر ولم يكن فيهم أشد تكذيبا من أبي لهب، فقال له بعضهم: يا محمد ما وجد ربك من يبعثه غيرك ؟ فغضب من كلامهم وقال لهم: والله يا معاشر قريش قد علمتم انه ما منكم احد يتقدمني في شرف، وأني الى خير مكرمة، وان آبائي قد علمتم من هم، فسكت القوم وانصرفوا وفي قلوبهم عليه أحر من الجمر مما سمعوا من الكلام وأراهم من العجائب التي لم يقدروا أن ياتوا بمثلها، فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 12 - وعنه بهذا الاسناد عن سيف بن عميرة عن اسحاق بن عمار، قال قال الصادق (عليه السلام): لما اسري برسول الله (صلى الله عليه وآله) في طريق مر على عير في مكان من الطريق، فقال لقريش - حين اصبح - يا معاشر قريش ان الله (تبارك وتعالى) قد أسرى بي في هذه الليلة


 

[ 58 ]

من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى - يعني بيت المقدس - حتى ركبت على البراق، وإن العنان بيد جبريل (عليه السلام) وهي دابة اكبر من الحمار، وأصغر من البغل، خطوتها مد البصر، ركبت عليه وصعدت الى السماء، وصليت بالمسلمين وبالنبيين أجمعين وبالملائكة كلهم، ورأيت الجنة وما فيها، والنار وما فيها، واطلعت على الملك كله. فقالوا: يا محمد كذب بعد كذب، ياتينا منك مرة بعد مرة، لئن لم تنته عما تقول وتدعيه، لنقتلنك شر قتلة، أتريد أن تافكنا عن آلهتنا وتصدنا عما يعبد آباؤنا الشم الغطاريف ؟ فقال يا قوم انما اتيتكم بالخير، ان قبلتموه، فان لم تقبلوه فارجعوا وتربصوا اني متربص بكم أعظم مما تتربصون بي وأرجو أن أرى فيكم ما أؤمله من الله فسوف تعلمون. فقال أبو سفيان: يا محمد إن كنت صادقا فانا قد دخلنا الشام ومررنا في طريقنا، فخبرنا عن طريق الشام وما رأينا فيه. فانا قد رأينا جميع ما ثم ونحن نعلم انك لم تدخل الشام، فان أنت أعطيتنا علامة علمنا أنك رسول حق ونبي صدق. فقال: والله لاخبرنكم بما رأت عيناي الساعة، رأيت عيرا لك يا أبا سفيان وهي ثلاثة وعشرون جملا يقدمها ارمك عليه عباءتان قطوانيتان، وفيهما غلامان، احدهما صبيح والاخر رياح في موضع كذا وكذا، ورأيت عيرك يا ابا هشام بن المغيرة في موضع كذا وكذا، وهي ثلاثون بعيرا يقدمها جمل أحمر فيها مماليك أحدهم ميسرة، والآخر سالم، والثالث يزيد، وقد وقع بهم بعير بمحمله فمررت بهم وهم يحملون عليه حمله، والعير تأتيكم في يوم كذا وكذا وهي ساعة كذا وكذا، ووصف لهم جميع ما رأوه في بيت المقدس. فقال أبو سفيان: أما ما كان في بيت المقدس فقد وصفت جميع ما


 

[ 59 ]

رأينا، وأما العير فقد ادعيت أمرا، فان وافق قولك ما قلت لنا، وإلا علمنا انك كذاب، وأن ما تدعيه الباطل. فلما كان ذلك اليوم الذي أخبرهم أن العير تأتيهم خرج أبو سفيان وهشام بن المغيرة حتى ركبا ناقتيهما وتوجها يستقبلان العير فرأوها في الموضع الذي وصفه لهما النبي (صلى الله عليه وآله) فسالا غلمانهما عن جميع ما كانوا فيه، فاخبروهما بمثل ما اخبرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما أقبلا قالا لهما: ما صنعتما ؟ قالوا جميعا: لقد رأينا جميع ما قلت، وما يعلم أحد السحر الا اياك وإنك لشيطان عالم، ولو رأينا ملائكة من السماء تنزل عليك لما صدقناك، ولا قبلنا قولك، ولا قلنا: انك رسول ولا نبي ولا آمنا بما تقول أبدا، افعل ما شئت فهو سواء علينا أو عظت أم لم تكن من الواعظين، أو عدتنا ام لم توعدنا. فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 13 - وعنه عن أبيه، عن عبد الرحمن بن سنان، عن جعفر بن محمد الانباطي، عن الحسين بن العلاء، عن أبي بصير الاسدي، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: مطر الناس مطرا شديدا، فلما أصبحوا خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه أبو بكر وعمر يمشيان فتبعهما أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) وقد برز الى الصحراء، فقال له رسول الله: ما سرني تخلفك، ولقد سررت بمجيئك يا علي، فإذا هم برماية قد انقضت من السماء اليهما اشد بياضا من الثلج وأحلى من الشهد فاخذها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمصها ثم دفعها الى امير المؤمنين (عليه السلام) فمصها حتى أتى على ما أراد، قال النبي: يا ابا بكر لولا هذا طعام من طعام الجنة لا ياكله احد في الدنيا الا نبي أو وصي نبي لاطعمتك، ثم كسرها النبي (صلى الله عليه وآله) نصفين فاخذ النبي نصفها واعطى عليا نصفها فاكل النبي (صلى الله عليه


 

[ 60 ]

واله) ما كان في يده، وأكل امير المؤمنين ما كان في يده، وانصرف أبو بكر خائبا فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 14 - وعنه عن أبيه، عن محمد بن المفضل، عن بياع السابري عن سيف بن عميرة عن أبي بكر أحمد بن محمد الحضرمي عن ابي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جالسا إذ أقبل إليه نفر من قريش فقالوا: يا محمد إنك تنحل نفسك بامر عظيم، وتزعم أنك نبي وأنه يوحى إليك والملائكة تنزل الوحي عليك، فان كنت صادقا فاخبرنا عن جميع ما نسالك به، فقال اسالوني عما بدا لكم، فان يكن عندي منه علم وخبر أنبئكم به، وإن لم يكن عندي منه علم استاجلتكم أجلا حتى ياتيني رسول ربي جبريل عن الله (عز وجل) فاخبركم به. وقال أبو جهل - لعنه الله - اخبرني عما صنعت في منزلي، فان عيسى بن مريم (عليه السلام) كان يخبر بني اسرائيل بما كانوا ياكلون وما يدخرون في بيوتهم، فان كنت نبيا كما تزعم فاخبرنا عما نعمل في بيوتنا وما ندخر فيها. فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا أبا جهل لو كنت رأيت الملائكة نزلت علي وكلمتني الموتى ما كنت تؤمن أنت ولا أصحابك ابدا، وساخبرك بجميع ما سألتني عنه، أما أنت يا أبا جهل فانك دفنت ذهبا في منزلك في موضع كذا وكذا، ونكحت خادمتك السوداء سرا من اهلك لما فرغت من دفن المال. واما أنت يا هشام بن المغيرة فانك جهزت جهازا وأمرت المغيرة ليخرج في ذلك الجهاز، فان أنت أتممت ما نويت في نفسك عطب ابنك في ذلك الطريق ولم تلق ما تحب فاخرج هشام ابنه المغيرة معاندا كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما توجه لم يسر الا قليلا حتى قطع عليه الطريق وقتل ابنه ورأى جميع ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله


 

[ 61 ]

وسلم) وكتم هشام ما أصابه في ابنه. فجاءه النبي (صلى الله عليه وآله) وجماعة من قريش، فقال النبي: ما منعك يا هشام ان تخبرنا ما أصبت به في مالك وولدك لئن لم تخبرهم لاخبرتهم انا، فقالت قريش: يا ابا المغيرة ما الذي أصبت به ؟ قال: ما اصبت بشئ ولم يمنعه ان يخبرهم الا بصدق رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله: اخبرني جبريل (عليه السلام) عن الله (عز وجل) ان اللصوص قطعوا على ابنك الطريق واخذوا جميع مالك واصبت بابنك في موضع كذا وكذا، فاغتم لذلك هشام، وقال: لئن لم تكفف قتلناك عنوة فانك لم تزل تؤذينا وتخبرنا بما نكره. فقال النبي (صلى الله عليه وآله): تسألونني حتى إذا أنباتكم تجزعون ليس لكم عندي بقول الحق عن الله. فسكت هشام فقام مغتما بشماتته، وقال لابي جهل: ما تقول في الذهب الذي دفنته في بيتك في موضع كذا وكذا ونكاحك السوداء ؟ قال ما دفنت ذهبا ولا نكحت سوداء، ولا كان مما ذكرت شيئا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لئن لم تقر عليه، دعوت الله ان يذهب مالك الذي دفنته، ولارسلن الى السوداء حتى اسالها فتخبر بالحق. فقال أبو جهل - لعنه الله - نحن نعلم ان معك رجالا من الجن يخبرونك بجميع ما تريد وأما أنك تريد أن نقول فيك نبي ورسول فلست هناك فقال: ولم يا لكع ؟ ألست اكرمكم حسبا، وأطولكم قصبا، وأفضلكم نسبا، وخيركم أما وأبا، وقبيلتي خير قبيلة ؟ أتجزع ان تقول اني نبي والله لاقتلنك وأقتلن شيبة، ولاقتلن الوليد، ولاقتلن جبابرتكم وأشراركم ولاوطين دياركم بالخيل، وآخذ مكة عنوة، ولا تمنعوني شيئا، شئتم أم أبيتم. قال أبو عبد الله: فوالله ما ذهبت الايام والليالي حتى قتل رسول الله


 

[ 62 ]

(صلى الله عليه وآله) قريشا بيده شر قتلة، وجميع من سماه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سبعون رجلا من اكابرهم وخيارهم فصح جميع ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما غادر منه حرفا فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 15 - وعنه عن أبي الحسين محمد بن يحيى الفارسي عن عبد الله بن جعفر بن خالد الجلاب، عن عبد الله بن ايوب، قال: حدثني أبو أيوب وصفوان الجمال عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: لما رمي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالسيف، وكان الذي رماه به عتبة بن ابي معيط ووضع رجله على عنقه وهو ساجد فغمزه في الارض غمزة شديدة، حتى بلغ منه فرفع رأسه فقال: والله الذي لا يحلف باعظم منه لئن مكنني الله منك يا عقبة لاقتلنك، فقلته يوم بدر وقد جئ به أسيرا فضرب عنقه، وصدق ما قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 16 - وعنه عن الخضر بن أبان، عن عبد الله بن جرير النخعي عن أحمد بن عنان، عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يا معاشر اصحابي ياتيكم الساعة تسعة نفر من وراء هذا الجبل من آل غسان فيسلم سبعة ويرجع رجلان كافران، ولا يصلان الى منازلهم حتى يبليان ببلية، أحدهما ياكله السبع والآخر يعضه بعيره فيورثه حمرة وبعد الحمرة اكلة، فيموت ويلحق بصاحبه في النار. فلما اصبح اقبل النفر الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال أهل مكة: ان محمدا له من يخدمه من الجن هؤلاء كانوا أحسنهم قولا، وقال بعضهم: ساحر كذاب مجنون، فاسلم من القوم سبعة، ورجع اثنان كفارا


 

[ 63 ]

بما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 17 - وعنه عن أبي بكر محمد بن جبلة التمار، عن حامد بن يزيد، عن خليل بن أحمد الزيات، عن صندل، عن داود بن فرزدق عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: لما ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرسالة جاء ذئب الى الاشعث بن قيس الخزاعي، وهو في غنم له يطرده عنها كرة بعد كرة فقال في الكرة الرابعة: ما رأيت أصفق وجها منك ذئبا، قال الذئب: بل أدلك على من هو أصفق مني وجها، فقال له الاشعث بن قيس: من هو يا ذئب ؟ قال له: أنت قال: كيف ذلك ؟ قال الذئب: هذا النبي ظهر بينكم يدعوكم الى الله وأنتم لا تجيبونه. قال له الاشعث: ما تقول ؟ قال الذئب: أقول الحق. قال له: وأين هو ؟ قال: بيثرب قال له الاشعث: ومن يحفظ غنمي ؟ قال الذئب: أنا أحفظها حتى تذهب إليه فتؤمن به، قال الذئب: الله لك بذلك قال: فلم يزل في غنمه يحفظها حتى وصل الاشعث الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقص عليه قصته مع الذئب وآمن برسول الله (صلى الله عليه وآله) وعاد إلى غنمه والذئب يحفظها، فدفع للذئب سخلة من غنمه، فاكلها الذئب وخرج من عنده فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 18 - وعنه عن يعقوب بن حازم عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الى غزاة تبوك وخلف أمير المؤمنين (عليه السلام) وسائر من بها، فتكلم الناس فيه، وقالوا ما بال علي مقدم في كل غزوات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أخره عن هذه الغزوة بالمدينة وما هذا الا اجتزاء عن علي، وبغضا له لئلا يشهد فضل هذه الوقعة فخرج إليه امير المؤمنين حتى وافى معسكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:


 

[ 64 ]

فداك أبي وأمي يا علي ما الذي جاء بك ؟ قال: ان الناس يقولون إنك ما خلفتني بالمدينة الا من بغضك لي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ليس الامر كما يقولون يا علي كيف وقد أمرني الله يخبرني مشافهة - حيث أسري بي إليه - أمرني أن أو أخيك وأزوجك بفاطمة بنتي سيدة نساء العالمين في الارض بعد أن زوجك الله في السماء، وأمرني أن أعلمك جميع علمي ولا أتركك، وأن اقربك ولا أجفوك، وأدنيك ولا أقصيك، وأن أصلك ولا أقطعك وإن أرضيك ولا أسخطك، وأنت أخي وانا أخوك في الدنيا والآخرة، ولا يعطى أحد الشفاعة غيري وسالت ربي أن يشركك فيها معي ففعل، فمن له مثل ما لك، ومن اعطي مثلما اعطيت. يا علي اما ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى حين خلفه في قومه. فلما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك رجع علي (صلوات الله عليه) الى المدينة مستبشرا مسرورا، وسار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والناس معه، فشكوا العطش فقال للناس: اطلبوا الماء فلم يصيبوا قليلا ولا كثيرا، حتى خافوا على أنفسهم، ومات بعضهم وبعض دوابهم فلما رأوا ما نزل بهم، قالوا: يا رسول الله ادع لنا ربك يسقينا ريا من الماء فنزل جبريل (عليه السلام) فقال: يا رسول الله ابحث بيدك هذا الصعيد، وضع قدميك واصبيعك المسبحتين فينفجر اثنتا عشرة عينا كما انفجرت لموسى (عليه السلام) فوضع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عشر أصابع رجليه وسبابتيه، وسمى باسم الله (عز وجل) ودعا فتفجرت من بين اصابعه اثنتا عشرة عينا، للاثنتي عشرة اصبعا، وفاض الماء حتى ملا الوادي والبقعة وشرب الناس وسقوا دوابهم، وحملوا من الماء ما كفاهم الى الماء الآخر واعطي رسول الله (صلى الله عليه وآله) مثل الذي اعطي موسى (عليه السلام) وموضع الماء معروف مشهور في طريق الحديثة الى وقتنا هذا فكان هذا من دلائله (عليه السلام).


 

[ 65 ]

19 - وعنه عن ابي الحواري عن جعفر بن يزيد الطريقي عن محمد بن مسلم، عن عمر بن سهم، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال سمعته يقول: لما ظهر محمد (صلى الله عليه وآله) ودعا الناس الى دين الله ابت ذلك قريش وكذبته وجميع العرب فبقي النبي (صلى الله عليه وآله) مستجيرا في البلاد لا يدري ما يصنع، وكان يخرج وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما) في كل ليلة الى الشعاب فيصليان فيها سرا من قريش، ومن الناس، وكانت خديجة (عليها السلام) تخاف عليهما ان تقتلهما قريش، فجاءت الى أبي طالب فقالت له: إني لست آمن على رسول الله وعلى علي من قريش أن يقتلوهما، فاني أراهما يذهبان في بعض تلك الشعاب يصليان فأتاهما أبو طالب، وقال لهما: إني أعلم أن هذا الامر سيكون له آخر، وان هذا الذي أنتما عليه لدين الله، وإني أعلم أنكما على بينة من ربكما، فاتقيا قريشا، فوالله ما أخاف عليكما الا من قريش خاصة، وما أنتما بكاذبين، ولكن القوم يحسدونكما، والذي دعوتما إليه عظيم عندهم، وإنما تريدان أن تقلباهم عن دينهم ودين آبائهم إلى دين لا يعرفونه ويستعظمون ما تدعوانهم إليه. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لاملكن رقابهم، ولاطان بلادهم بالخيل، ولتسلمن قريش والعرب طوعا أو كرها ولاقطعن اكابرهم جهرا ولآخذنهم بالسيف عنوة، وهكذا اخبرني جبريل (عليه السلام) عن الله (عز وجل). فرجع أبو طالب من تلك الشعاب من عندهما وهو من اسر الناس بما اخبره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأتى أبو طالب خديجة (عليها السلام) وأخبرها بذلك ففرحت فرحا شديدا وسرت بما قال لها أبو طالب، وعلمت انهما في حفظ الله (عز وجل) فكان هذا من دلائله (عليه السلام).


 

[ 66 ]

20 - وعنه عن محمد بن نجيح بن سليمان بن ابراهيم الخزاز، عن عبيد الله بن سعيد الخزاعي، عن عمر بن بنشط عن ابي بكر الحضرمي عن ابي حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال لما ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعا قريشا الى الله تعالى فنفرت قريش من ذلك وقالوا يا ابن ابي كبشة، لقد ادعيت امرا عظيما اتزعم انك نبي وان الملائكة تنزل عليك، فقد كذبت على الله وملائكته، ودخلت فيما دخل فيه السحرة والكهنة. فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لم تجزعون يا معاشر قريش ان ادعوكم إلى الله والى عبادته ؟ والله ما دعوتكم حتى أمرني بذلك، وما أدعوكم ان تعبدوا حجرا من دون الله، ولا وثنا ولا صنما ولا نارا، وانما دعوتكم أن تعبدوا من خلق هذه الاشياء كلها وخلق الخق جميعا، وهو ينفعكم ويضركم، ويميتكم ويحييكم ويرزقكم. ثم قال: والله لتستجيبن الى هذا الذي أدعوكم إليه شئتم أم أبيتم، طائعين أو كارهين صغيركم وكبيركم، فبهذا اخبرني جبريل (عليه السلام) عن رب العالمين، وانكم لتعلمون ما انا بكاذب وما بي من جنون ولا سحر ولا كهانة، فقد أخبرتكم بما أخبرني به ربي، فاسمعوا واطيعوا فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 21 - وعنه، عن علي بن الحسين المقري، عن جابر بن خالد الآبي، عن سعيد بن قيس العبدي الحلبي، عن عبد الله بن بكر، عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: لما ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعمه حمزة بن عبد المطلب ولاهل بيته: ابشروا فوالله لاسوقن قريشا وجميع العرب بعصاي هذه، طائعين أم كارهين، وليظهرن الله امره ان شاء، أنبئوهم يا بني عبد المطلب بما يسوءهم، فهو نعمة من الله وتفضل عليكم فخذوا ما اعطاكم واشكروه واحمدوه، ولا تكونوا مثل هذه


 

[ 67 ]

الاعراب الجفاة، وقريش الحسدة الظلمة المفترين، فكان هذا من عجائبه ودلائله (عليه السلام). 22 - وعنه عن أبيه حمدان بن الخصيب عن ابراهيم بن الخصيب - وكان مرابطا لسيدنا أبي الحسن علي بن محمد العسكري (عليه السلام) - قال: حدثني زيد بن شهاب، عن محمد بن راشد الصيدناني عن الحسن بن محمد السكني عن ابي بصير عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: جاء قوم من المنافقين الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا: زعمت يا محمد أن الله تبارك وتعالى اتخذ ابراهيم خليلا فما الذي صنع بك ؟ قال: اتخذني حبيبا، والحبيب أقرب من الخليل الى خليله. قالوا: فانك زعمت ان الله كلم موسى تكليما فما صنع بك ؟ قال: صنع بي ما صنع بموسى، وزادني عليه أن الله كلمه فوق الارض، وكلمني في حجب النور فوق السماوات. قالوا: انك زعمت أن الله ألان الحديد لداود حتى عجنه بيده بلا نار وقدره في السرد، وعمل منه الدروع والخوذ، فما الذي صنع بك ؟ قال: صنع بي ما صنع بداود وزادني عليه أني علوت على جبل أبي قبيس على ناقتي العضباء مشرفا على جميعكم وانتم تريدون اخراجي من مكة فركبت ناقتي في الحجر الصلد في رأس ابي قبيس، ولين لي الحجر حتى غاصت وهي باركة وانقلبت مستلقيا على قفاي فلان لي الحجر حتى تبين فيه صورة ظهرى وقفاي وتخطيط شعري في الحجر، وها أنتم تنظرون إليه، ولن يخفى ذلك الاثر ما دامت السماوات والارض. قال الحسين بن حمدان الخصيبي: أنا رأيت مبرك الناقة وأثر رداء رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الحجر فوق الجبل في سنة اثنين وثمانين ومائتين قبل أن حججت، ومعي جمع كثير من الحجاج، وتمسحنا بالموضع


 

[ 68 ]

وصلينا عنده. ويرجع الحديث الى رسول الله (صلى الله عليه وآله): وهذا سيف من أسيافكم فاعطونيه حتى أجعله ما شئتم بيدي، فقالوا: هذا سيف من اسيافنا فقطعه لنا ابرا مثقبة الى الاسفل بلا نار، فاخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيفا من أسيافهم فلم يزل يقطعه بيده ابرا مثقبة الى الاسفل بلا نار حتى على آخره، وقال: أتحبون أن أقطع لكم حمائله إبرا ؟ قالوا: هو من أديم يا محمد، قال يجعلها الله حديدا. وضرب بيده المباركة الى حصى رضراض كان جالسا عليه فقبض منه قبضة وقال يا حصى سبح الله بكل لغة في كفي فنطق ذلك الحصى بثلاث وسبعين لغة يثبتها من عرفها بتسبيح الله وتقديسه وتمجيده، والشهادة لرسول الله بالرسالة ولعلي بالامامة. قالوا: يا محمد فقد زعمت ان داود كانت تسبح معه الجبال بالعشي والاشراق، والطير محشورة كل له أواب قال النبي: (صلى الله عليه وآله وسلم): انظروا باعينكم واسمعوا باذانكم ماذا تجيب الجبال ثم صاح رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا جبال مكة ومن حولها والريح والتلاع أجيبيني باذن الله ويا أيها الطير آوي الي باذن الله. قال فصاحت جبال مكة وما حولها والريح والتلاع، وكل شعب بمكة لبيك لبيك يا رسول الله إجابة لدعوتك وطاعة لامرك، وأقبلت الطيور من كل جانب صغارا وكبارا، بري وبحري وجبلي وسهلي، حتى انفرشت بمكة وسطوحاتها وطرقاتها وحجبت الطير السماء باجنحتها عنهم. فقال المنافقون: فقد زعمت أن الله اعطى لعيسى احياء الميت وابراء الاكمه والابرص وأن يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا باذن الله، ونبا بني اسرائيل بما ياكلون وما يدخرون في بيوتهم ونحن


 

[ 69 ]

نسالك أن تحيي لنا ميتا، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا بن أبي طالب (عليه السلام) وقال له: ائتني ببردتي السحاب وقضيبي الممشوق ثم كلمه بكلام خفي لا يفهم، ثم قال: انطلق يا علي معهم الى بلاطة من بلاطهم فاحي لهم من ارادوا من الموتى فلما انتهوا الى البلاطة بظهر شعب بني سعد قالوا: يا علي هذا قبر سيد من ساداتنا من اكابر قريش، وقد مات قريبا وقد دفناه بالامس، وهو قريب العهد بالحياة، أحيه لنا حتى نساله، فدنا أمير المؤمنين من القبر، وتكلم بكلام خفي ثم ركل القبر برجله فارتجت الارض وزلزلت حتى خافوا على انفسهم، فقالوا يا علي أقلنا أقالك الله فقال علي ليس الامر لي، بل الامر الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا ميتكم فكلموه، فإذا هم بالقبر قد انشق، وخرج الرجل من اكفانه بعينه واسمه ونسبه فقال: يا ويلكم يا منافقي قريش، ما اجرأكم على ما أنا فيه من العذاب، أو لم أؤمن بمحمد حتى شهر تموني في الدنيا فولوا هاربين الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله اقلنا أقالك الله، فقال رسول الله انكم لا تتمردون علي وانما تمردكم على الله، اللهم لا تقلهم فاني لا اقيلهم فارسل النبي الى امير المؤمنين (عليه السلام) بعد أن رد الميت في قبره، فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 23 - وعنه عن ابيه عن محمد بن موسى القمي عن زيد بن شهاب القمي عن طلحة بن جعفر الاشعري عن الحسين بن العلاء، عن يونس بن ظبيان، عن المفضل بن عمر الجعفي عن ابي عبد الله (صلوات الله عليه) قال: لما ارضعت حليمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) اقبل إليها زوجها فقال: يا حليمة من هذا الصبي ؟ فقالت: ابن اخي ابي طالب وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. فقال لها: ويحك سنتنا سنة مجدبة كما ترين فإذا ارضعت هذا الصبي مع ابنك اضررتنا به، فقالت:


 

[ 70 ]

والله لقد وقع لهذا الصبي في قلبي من المحبة شئ لا أحسن اصفه لك، فلما كانت صلاة الفجر سرحت غنمها وحميرها مع غنم الناس وحميرهم، فلما أمسوا وراحت الاغنام الى منازلهم راحت غنم حليمة حفلة يكاد يبدر ما في ضرعها من اللبن ودوابها بطينة تكاد ان تفزر، وراحت الاغنام على ما كانت تروح قبل ذلك فتكلم الناس في ذلك فقالوا: كيف هذا صار ان اغنامنا هلكت من الجوع، واغنام حليمة ودوابها تروح بطينة تكاد تتفزر، وضروعها حفلة، فقالت حليمة لزوجها يا فلان أتسمع الناس ما يقولون ؟ قال: يا حليمة قد رمى الناس غنمك ودوابك بابصارهم فاني خائف على أموالنا أن تهلك من أعين الناس، فقالت له حليمة: كلا - وكانت موفقة - والله يا فلان إنا لاكرم على الله من هؤلاء الناس، وإلهنا رزقنا ما ترى حتى يكون لدينا عظيما فلما انتشى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصار يخرج مع الرعاة الى البرية كان يتجلى له جبريل (عليه السلام) فيفزع ففطنت به حليمة فكانت تكتم ذلك زمانا حتى أتاها صبي من الصبيان فاخبرها بخبره فلم تدر حليمة ما تصنع، فاغتمت لذلك غما شديدا، وكان رسول الله من اسرع الناس شبابا حتى أوحى الله إليه، فامنت به حليمة وزوجها وعلما انه نبي مرسل مما كانا يرياه في منازلهما من الخير والبركة فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 24 - وعنه عن جعفر بن محمد بن مالك وكان جعفر بن مالك راويا علوم آل محمد (عليهم السلام) قال: - وكان الحسن عمه من فقهاء شيعة آل محمد - (عليهم السلام): حدثنا محمد بن احمد عن حمران بن اعين عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: لما أظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الرسالة والوحي بمكة واراهم الآيات العظيمة والبراهين المبهرة تحيرت قبائل قريش من بني امية وبني تيم وعدي فيما اتى به النبي


 

[ 71 ]

(عليه السلام) اجتمع بعضهم الى بعض وقالوا لذي الرأي منهم ماذا ترون من الرأي في ما ياتي به محمد مما لا يقدر عليه احد من السحرة والكهنة والجن واتى بشئ لا يقدر ان ياتي به ممن ذكرناه احد حتى نسال محمدا من اين اتى به فلم يدع بدينه الى الانبياء والرسل ولا الكهنة والسحرة ولا الجن المسخرة لسليمان بن داود ولا معجزة الا وقد أتاهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمثلها واعظم منها فقال بعضهم لبعض: اجمعوا على ان نساله أن يشق لنا القمر في السماء وينزله الى الارض شعبتين فان القمر ما سمعنا من سائر النبيين أحدا يقدر عليه كما قدر على الشمس فانها رجعت ليوشع بن نون (عليه السلام) وصي موسى بن عمران (صلوات الله عليه) وكانوا يظنون ان الشمس لا ترد من مغربها، فمن ذلك ابراهيم (عليه السلام) قال: (ان الله ياتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب فبهت الذي كفر) وهو النمرود ثم ردت على يوشع بن نون على عهد موسى (عليه السلام) فاجمعوا امرهم وجاؤوا الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا له: يا محمد قد جعلنا بينك وبيننا آية ان اتيت بها آمنا بك وصدقناك، قال لهم رسول الله اسالوني فاني أنبئكم بكل آية لو كنتم تؤمنون بالله ورسوله. فقالوا: يا محمد الوعد بيننا وبينك سواد الليل وطلوع القمر، تقف على المشعرين فتسال ربك الذي تقول انه ارسلك رسولا ان يشق لك القمر شعبتين، وينزله من السماء حتى ينقسم قسمين، ويقع القسم الواحد على المشعرين، والقسم الثاني على الصفا. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): فهل انتم مؤمنون بما قلتم انكم تؤمنون بالله ورسوله. قالوا: نعم يا محمد، وتسامع الناس وأتوا الى سواد الليل فاقبل الناس يهرعون الى البيت وحوله حتى اقبل الليل واسود وطلع القمر وأنار،


 

[ 72 ]

والنبي (صلى الله عليه وآله) وامير المؤمنين (عليه السلام) ومن آمن بالله ورسوله يصلون على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويطوفون حول البيت، فاقبل أبو جهل وابو سفيان على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا له: الآن بطل سحرك وكهانتك، هذا القمر فاوف بعهدك، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): قم يا ابا الحسن قف بجانب الصفا، وهرول الى المشعرين وناد بهذا اظهارا وقل في ندائك: " اللهم رب هذا البيت الحرام والبلد الحرام وزمزم والمقام ومرسل هذا الرسول التهامي أئذن للقمر أن ينشق وينزل الى الارض فيقع نصفه على الصفا ونصفه على المشعرين فقد سمعت سرنا ونجوانا وانت بكل شئ عليم ". فتضاحكت قريش وقالوا ان محمدا استشفع بعلي لانه لم يبلغ الحلم، ولا ذنب له فقال أبو لهب (لعنه الله) لقد اشمتنا الله بك يا ابن اخي في هذه الليلة. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اخس يا من أتب الله يديه، ولم ينفعه ماله ولا بنوه، وتبين مقعده في النار. فقال أبو لهب: لافضحنك في هذه الليلة بالقمر وشقه وانزاله الى الارض ولافلت كلامك هذا الذي إذا كان غدا جعلته سورة، وقلت هذا اوحى الى ابي لهب. قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) امض يا علي فيما أمرتك واستعذ بالله من الجاهلين، ثم هرول امير المؤمنين من الصفا الى المشعرين، ونادى واسمع بالدعاء فما استتم كلامه حتى كادت الارض ان تسيخ باهلها والسماء ان تقع فقالوا: يا محمد لقد اعجزك شق القمر اتيتنا بسحرك لتفتنا فيه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هان عليكم بما دعوت به فان السماء والارض لا يهون عليهما بذلك ولا يطيقان سماعه، فقوموا باجمعكم وانظروا الى القمر قال: ثم ان القمر انشق


 

[ 73 ]

نصفين نصفا وقع على الصفا ونصفا وقع على المشعرين، فاضاءت داخل مكة وأوديتها وصاح المنافقون: اهلكنا محمد بسحره يا محمد افعل ما شئت فلن نؤمن بك ولا بما جئتنا به. ثم رجع القمر الى منزله من الفلك واصبح الناس يلوم بعضهم بعضا ويقولون برأيهم: والله لنؤمنن بمحمد ولنقاتلنكم معه مؤمنين فقد سقطت الحجة وتبين الاعذار وانزل في ذلك اليوم سورة ابي لهب واتصلت به فقال: ان محمد فعل ما قلته له في تأليفه له في هذا الكلام ليشنعني به، والله اني لاعلم ان محمدا يعاديني لكفري به وتكذيبي له من بين بني عبد المطلب وخاصة لسبب العباس فانه انكره اولاد عبد المطلب لما اتت امه بتلك الفاحشة واحرقها ابونا عبد المطلب على الصفا وكان اشدهم له جحدا الحارث والزبير وابو طالب وعبد الله فحلفت باللات والعزى انه من ابناء عبد المطلب حتى الحقت العباس بالنسب فمن اجل ذلك الف هذا ويزعم انها سورة انزلها الله عليه، فوحق اللات والعزى لو اتى محمد بما يملا الافق من المدح ما آمنت به ولا فيما جاء به ولو عذبني رب الكعبة بالنار. فامن في ذلك اليوم ستمائة واثنا عشر رجلا واكثرهم اسر ايمانه وكتمه الى ان جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الى المدينة ومات أبو لهب (لعنه الله) وقتل أبو جهل وأسر أبو سفيان ومعاوية يوم فتح مكة والعباس وزيد بن الخطاب وعقيل بن ابي طالب واسر كثير منهم مقدار ثمانين رجلا تحت القدم فكانوا طلقاء لم ينفعهم ايمانهم وهم لا ينظرون فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 25 - وعنه عن ابي بصير عن ابي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: لما ظهرت نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة عظم على قريش امره ونزول الوحي عليه وما كان يخبرهم به قال بعضهم لبعض: ليس لنا إلا قتل محمد، وقال أبو سفيان: انا اقتله لكم قالوا: وكيف


 

[ 74 ]

تصنع ذلك قال: انه بلغنا انه يظل في كل ليلة في مغارة الجبل أو في الوادي وقد عرفت انه في هذه الليلة يمضي الى جبل حراء فيظل فيه قالوا: ويحك يا ابا سفيان انه لا يمشي عليه احد الا قذفه حتى يقطعه قطعا وكيف يمضي محمد إليه فبعثوا الى رصادهم على النبي فقالوا: تجسسوا لنا عليه اين يظل في هذه الليلة ودوروا من حول حراء فلعل تلقون محمدا فتقتلوه فنكفى مؤونته فلما جن عليه الليل أخذ بيد امير المؤمنين وخرج واصحابه لا يشعرون وابو سفيان وجميع الرصدة مقنعون من حول الجبل فما شعروا حتى وافى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وامير المؤمنين (عليه السلام) بين يديه وصعدا جبل حراء فلما دارا في دورة الجبل اهتز الجبل وماج ففزع أبو سفيان ومن معه وتباعدوا من الجبل وقالوا: قد كفينا مؤونة محمد وقد قذفه حراء وقد قطعه، فاطلبوا من حول الجبل فسمعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول اسكن يا حراء فما عليك الا نبي ووصي فقال أبو سفيان: سمعت محمدا يقول يا حراء ان قرب منك أبو سفيان ومن معه فارمهم بهوامك حتى تنهشهم فتجعلهم حصيدا خامدين. قال أبو سفيان: ويلبيه من حول جوانبه ويقول سمعا وطاعة يا رسول الله لك ولوصيك علي فسعينا على وجوهنا خوفا ان نهلك بما قاله محمد وأصبحوا واجتمعت قريش فقصوا قصتهم وما كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما خاطبه به حراء فقال: أبو جهل (لعنه الله): فماذا انتم صانعون ؟ قالوا: انك سيدنا وكبيرنا، فقال لهم: لو نكافح محمدا بالسيف غلبناه ام غلبنا وفي أحدى القتلتين راحة. فقال أبو سفيان: قد بقي لي كيد اكيده فقالوا له: وما هو يا ابا سفيان ؟ فقال خبرت انه سيتظل من حر الشمس تحت حجر عال وفي يومنا هذا قد اتى الحجر واستظل به فنهده عليه بجمع ذي قوة فلعلنا نكفى مؤنته فقالوا: افعل يا ابا سفيان، فبعث يرصد النبي (صلى الله عليه وآله


 

[ 75 ]

وسلم) حتى عرف انه قد خرج وعلي (عليهما السلام) حتى أتيا الحجر فاستظلا به وجعل رأسه في حجر علي (عليه السلام) وقال: يا علي اني قد ارقد وابو سفيان ياتيك من وراء هذا الجبل بجمع ذي قوة فإذا صار في الحجر استصعب عليهم وامتنع ان تعمل فيه ايديهم فامر الحجر ان ينقلب عليهم فينقلب فيقتل القوم جميعا ويفلت أبو سفيان وحده. فقال أبو سفيان: لا تفزعوا من قول محمد فما قال هذا القول الا ليسمعنا فلا نمضي الى الحجر ومحمد راقد في حجر علي فراموا ان يهدوا الحجر ويقتلعوه فيقلبوه على رسول الله فاستصعب عليهم وامتنع منهم فقال اصحاب ابي سفيان: انا لنظن ان محمدا قد قال حقا نحن نعهد ان هذا الحجر يقلعه بعض عددنا فما باله اليوم مع كثرتنا لا يهتز فقال أبو سفيان: اصبروا عليه. ثم احس بهم امير المؤمنين فصاح بالحجر: انقلب على القوم فاتى عليهم غير صخر بن حرب فما استتم من كلامه، حتى انقلب الحجر عليهم فتفرقوا فامتد عليهم الحجر وطال حتى كسر القوم جميعا تحته غير ابي سفيان فانه اقبل يضحك ويقول: يا محمد، لو احييت لنا الموتى وسيرت الجبال واعطاك الله كل شئ لعصيتك وحدي فسمع كلامه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له ويلك يا ابا سفيان والله لتؤمنن بي وتطيعني مكرها مغلوبا إذا فتح الله مكة. فقال أبو سفيان وقد اخبرت يا محمد بفتح مكة وايماني بك وطاعتي إياك فهذا ما لا يكون ففتح الله على رسول الله مكة واسر أبو سفيان وأمن كرها وأطاع صاغرا مغلوبا. قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): ولقد والله دخل أبو سفيان بعد فتح مكة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو على المنبر يوم الجمعة بالمدينة فنظر أبو سفيان الى اكابر ربيعة واليمن ومصر وساداتهم في المسجد يزاحم بعضهم بعضا فوقف أبو سفيان متحيرا وقال: يا


 

[ 76 ]

محمد قدرت ان هذه الجماعة تذل لك حتى تعلو دعواك هذه وتقول ما تقول فقطع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خطبته وقال له: على رغمك يا ابا سفيان فسكت أبو سفيان خجلا وقال في نفسه: والله يا محمد لئن امكنني الله منك لاملان يثرب خيلا ورجالا ولاخمدن نارك ولاعفرن اثارك فقطع النبي خطبته وقال: يا ويلك يا ابا سفيان اما بعدي فيتقدمك من هو اشقى منك وأما بعهدي فلا وبعدي يكون منك ومن اهل بيتك ما تقول في نفسك الا انك لا تطفي نوري ولا تقطع ذكري ولا يدوم لكم ذلك وليسلبنكم الله اياه ويخلدكم النار وليجعلنكم شجرتها التي هي وقودها الناس فمن اجل ذلك قال الله سبحانه وتعالى: (الشجرة الملعونة في القرآن) الى تمام الآية والشجرة هي بنو أمية وهم اهل النار فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 26 - وعنه عن الحسن بن محمد بن جمهور عن ابيه محمد بن جمهور عن محمد بن عبد الله بن مهران عن محمد بن صدقة العنبري التميمي عن ابي المطلب جعفر بن محمد بن المفضل بن عمر، عن الصادق (صلوات الله عليه) قال: لما سال عبد الله بن سلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن تلك المسائل وأجابه عنها فقال عبد الله بن سلام وقد اسلم يا رسول الله هذا علم قد جاءك من الله على ألسن البشر أو على ألسن الملائكة ؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويحك يا عبد الله البشر كيف آخذ عنهم ؟ والله ما أتاني به الا جبريل عن الله. قال: وكيف تسمعه يا رسول الله قال: يا ابن سلام سماعا باذني ومنزلا على قلبي قال ابن سلام تعلم الغيب سماعا يا رسول الله بسمعك ومنزلا على قلبك ؟ قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الغيب درجات منها سماع، ومنها نبت في القلب. قال: يا رسول الله فمن لك بذلك نسمعه ونعلمه قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما في نفسك يا ابن سلام من قولك أو من فلعل


 

[ 77 ]

ما جاء به محمد حق قال ابن سلام: ومتى قلت هذا يا رسول الله في نفسي ؟ قال يا ابن سلام: الساعة بين قولك لي فحسن اسلامه بهذه الدلالة. 27 - وعنه قال حدثني أبو الحسين محمد بن يحيى، قال: حدثني أبو عبد الله بن زيد، عن الحسين بن موسى عن ابيه موسى بن جعفر، عن ابيه جعفر بن محمد الصادق عن محمد بن علي الباقر (عليما السلام)، قال أبو جعفر لجابر بن يزيد الجعفي: يا جابر ان نفرا من شيعتنا في الحديقة قد اجتمعوا للحديث والتذكار وقد وجدوا في حديثهم حديث أصحاب العقبة الذين هم أصحاب الدباب وشكوا في عدتهم فارسل إليهم لياتوا إلينا فنخبرهم بعددهم وأسمائهم وأنسابهم وكيدهم لجدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ليلة العقبة، فبعث جابر بن يزيد الجعفي إليهم واحضرهم على الباب وأذن لهم أبو جعفر (عليه السلام) فدخلوا عليه فقال لهم: ما لكم تشكون ونحن بين أظهركم تلقونا صباحا ومساء ؟ فقال القوم فرج الله عنك يا سيدنا. وقال أبو جعفر (عليه السلام): تكلموا يرحمكم الله. فقالوا: بعلة خطايانا وكثرة ذنوبنا تحول بيننا وبين ما ذكرت لنا جزاك الله خيرا من إمام خبير أخبرنا يا سيدنا بقصة أصحاب العقبة. قال أبو جعفر (عليه السلام): أخبركم بقصتهم وعدد أسمائهم فقال القوم: فرج عنا فرج الله عنك يا سيدنا فقال أبو جعفر: اعلموا رحمكم الله ان الارض لم تقل والسماء لم تظل على احد من الكفار الا الاثني عشر اصحاب العقبة اشدهم لعنة وكفرا وجحدا ونفاقا لله ولرسوله منذ الذرو الاول فانهم بدو كفرهم (وإذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) فقال: ضليلهم وابليسهم الاكبر مكرها وقالوا مكرهين: نعم، وقال ابليسهم لجحده لا بغير نطق فاستحال ظلمة وكدرا واسر ما قال كما اسر عجل موسى بن عمران


 

[ 78 ]

(عليه السلام) فسمعنا وعصينا فعلى ذلك الكفر والانكار وقول الطاغوت إبليسهم وجاؤوا معه الى علم الله الى أن ظهر وظهروا في الجان الذي خلقه الله من مارج من نار السموم فقد سمعتم ما كان منه من آدم والنداء له والنبيين والمرسلين والاوصياء والائمة الراشدين من قتل قابيل لهابيل، ونصبه لهم المنادة، الطاغية الباغية، العمالقة والفراعنة والطواغيت يكذبون الرسل والانبياء والاوصياء والائمة (عليهم السلام) ويردون عليهم ويدعون الربوبية والالهية من دون الله ويقتلونهم ومن آمن بهم وصدقهم وينظرون ممهلون الى يوم الوقت المعلوم. وقال القوم الى ابي جعفر (عليه السلام) يا سيدنا واولئك الاثنا عشر اصحاب عقبة الدباب هم ابليس ومن كان معه من الاحد عشر الاضداد ؟ قال: هو والله وهم والله خلقه، وان قلت ان هؤلاء اولئك حقا اقول. فقالوا يا سيدنا، نحب أن تعرفنا قصة اصحاب العقبة الاثني عشر. قال أبو جعفر: نعم اخبركم ان جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد سرى والليل مظلم معتم، وهو راكب ناقته العضباء، والمهاجرون والانصار من حوله فلما قرب من العقبة اجتمع الاثنا عشر المنافقون فقال ضليلهم وابليسهم زفر: يا قوم ان يكن يوم تقتلون فيه محمدا فهذا من لياليه، فقالوا: وكيف ذلك ؟ فقال لهم: اما تعلمون شر هذه العقبة وصعوبتها وهذا أوانه فانها لا يرقى فيها الناس الا واحدا بعد واحد لضيق المسلك. قالوا: ماذا نصنع وكيف نقتل محمد ؟ فقالوا ما يمكن أن نقتله ومن معه من المهاجرين والانصار فقالوا: وليس انما يصعد وحده قال لهم: لا تؤمنون ان يبدركم اصحابه فتقتلون قالوا: كيف نصنع ؟ قال نستأذنه بالتقدم والصعود في العقبة ونقول يا رسول الله فنسهل طريقها لك ونلقي من عسارة رصده بانفسنا دونك ولا تلقاه انت بنفسك فانه يحمدنا على ذلك


 

[ 79 ]

ونتقدمه قالوا: اصنع ما ذكرت، فقا: قد فكرت في شئ عجيب نقتل به محمدا ولا يشعر بنا احد، فقالوا: صف لنا ما أنت صانع فقال لهم نكب هذه الدباب التي فيها الزيت والخل، ونلقي فيها الحصى ونقف في ذروة العقبة فإذا أحسسنا بمحمد يرقى العقبة، دحرجنا الدباب في هذه الظمة من ذروة العقبة، فتنحط على وجه الناقة في الجادة، لها دوي فتذعر الناقة في الجادة فترمي محمدا فيتقطع مع ناقته ونستريح ونريح العرب والعجم منه فقد اضلنا وجميع العالم بسحره وكذبه حتى ما لأحد معه طاقة. قالوا نعم ما رأيت ونعم ما احتلت واشرت فجاؤوا الى العقبة فقاموا بين يديه فقالوا: فديناك يا رسول الله بالآباء والأمهات قد وصلنا الى العقبة فنحن نقيك من كل سوء محذور، ائذن لنا ان نتقدم فنرقى هذه العقبة الصعبة ونستهل طريقها ونلقى رصدان المشركين في ذروتها فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) امضوا لشأنكم والله شاهد على ما تقولون، فقال أبو بكر - وقد تولى الى العقبة - ويحك يا عمر سمعت كلام محمد واني لأخشى ان يكون قد علم بما اسررنا فنهلك، فقال له عمر: لا تزال خائفا وجلا مرعوبا حتى كان ما اتينا به ليس بحق خل عن الصعود، فانا اتقدمك والجماعة. قال فتقدم عمر وتلاه أبو بكر وطلحة والزبير وتلاهم سعد بن أبي وقاص وتلاه أبو عبيد بن الجراح وخالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة وابو موسى وصاروا في ذروة العقبة وكبوا ما كان في دبابهم من الزيت والخل وطرحوا فيها الحصى وكبروا وصاحوا يا معاشر المهاجرين والأنصار خبروا رسول الله ما في ذروة العقبة ولا في ظهر الجبل رصدة ولا غيرة من المشركين فتقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ناقته العضباء فصعدوهم يرون من ذروة العقبة ضياء وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) كدارة القمر يجلو ذلك الليل فقال أبو بكر: ويحك يا عمر، مع محمد مصباح ؟ قال: لا، قال: ما هذا الضياء الذي قد اضاء بين يديه وحوله ؟ فقال: شئ من سحره الذي نعرفه فاقبل أبو بكر يتوارى فلما


 

[ 80 ]

احسوا بالناقة في ثلثي العقبة دحرجوا الدباب في وجهها فنزلت ولها دوي كدوي الرعد فنفرت الناقة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ان الله معنا فاسرع امير المؤمنين (صلوات الله عليه) وكان يتلوه من ورائه في الطريق وقال: لبيك لبيك يا رسول الله وتلقته الدباب فاقبل يأخذها برجله فيطحنها واحدة بعد واحدة وضج المهاجرون والانصار فصاح بهم امير المؤمنين (عليه السلام): لا تخافوا ولا تحزنوا فقد مكروا ومكر الله والله خير الماكرين. وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد نزل عن الناقة في وقت نفورها واخذ جبريل (عليه السلام) زمام الناقة في العقبة في اغصان دوحة كانت بجانب المسلك في العقبة وسمع للناقة صريخ والشجرة تنادي يا رسول الله قد عقد خطام ناقتك في اغصاني. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا اخي جبريل ما هذه الدوحة التي تكلمني فقال: يا حبيب الله ورسوله هذه الدوحة، اثلة من نبات الأرض التي تحتها ولد ابوك ابراهيم الخليل (عليه السلام) وهي لك يا رسول الله محبة، والله أذن لها ان تكلمك فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اللهم بارك في الأثل كما باركت في السدر وقدم جبريل (عليه السلام) الناقة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى ركبها وسار وهي تمر كمر السحاب وقرب ما كان بعيدا من مسلك هذه العقبة حتى صار كالأرض البسيطة قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فديتك يا ابا الحسن ناد بالمهاجرين والانصار فلما صاروا على ذروة العقبة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) اجتمعوا من حوله وقالوا فديناك بالآباء والأمهات يا رسول الله ما هذا الكيد ؟ ومن اكادك ؟ فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): سيروا على أسم الله وعونه، وانزلوا الى الأرض فاني مخبركم بهذا الكيد ومن هو اكادني، والمهاجرون والانصار يظنون ذلك من مشركي قريش ورصادهم زيادة الاثني عشر


 [ 81 ]

اصحاب الدباب فنزلوا اكثر الناس واختار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سبعين رجلا فقال لهم: قفوا معنا في ذروة العقبة، فانكم تعلمون ما انا صانع فلما لم يبق غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) وامير المؤمنين والسبعون رجلا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): هل رأيتم ما صنع هؤلاء الاشقياء الضالون المضلون من كبهم ما كان في الدباب من زادهم وطرحهم فيها الحصا وارسالها في وجه الناقة - ناقتي - مقدرين نفورها بي وسقوطي عنها من ذروة العقبة، فأهلك وتقطعني الناقة، وقص عليهم ما قاله الاثني عشر اصحاب الدباب وما تشاوروا فيه من اول امرهم الى آخره. ثم قال: اني مختار منكم اثني عشر نقيبا يكونوا سعداء في الدنيا والآخرة كما الاثني عشر اصحاب الدباب اشقياء في الدنيا والآخرة فلباه السبعون رجلا وقال كل واحد منهم: اللهم اجعلني من الاثني عشر نقيبا واختار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من السبعين رجلا اثني عشر نقيبا: اولهم أبو الهيثم مالك بن التيهان الاشهلي الانصاري، والبراء بن مغرور الانصاري، والمنذر بن لوذان، ورافع بن مالك الانصاري، واسيد بن حضير، والعباس بن عبادة (بن نضلة الانصاري)، وعبادة بن الصامت النوفلي، وعبد الله بن عمر بن حزام الانصاري، وسالم بن عمير الخزرجي، وابي بن كعب، ورافع بن ورقا، وبلال رياح الشنوي. فقال حذيفة بن اليمان: والله ما حسدت احدا ولا خلقني الله حاسدا ولكني سألت الله (عز وجل) وتمنيت ان اكون من هؤلاء الاثني عشر نقيبا فان لله ما يشاء، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أذن مني يا ابا عبد الله، فمسح يده على ظهره وقال ما يكفيك يا ابا عبد الله يا حذيفة ان يعطيك الله علم المنايا والبلايا الى يوم القيامة ؟ فقال: بلى يا رسول الله ولله الحمد، ولك يا رسول الله ثم خص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلا من السبعة وخمسين رجلا الباقين من السبعين رجلا


 

[ 82 ]

شيئا من فضله. قال الحسين بن حمدان: انما لم اذكر ما خصهم به رسول الله فقال حذيفة بن اليمان: اتأذن لي يا رسول الله ان أؤذن في العسكر فأجمع جميعهم مصرحا بأسمائهم اصحاب الدباب وألعنهم رجلا رجلا ؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) افعل إذا شئت فصاح حذيفة في ذروة العقبة مسمعا جميع العسكر الذي نزل الى الأرض من جانب العقبة الى الآخر وهو يقول: الله اكبر، الله اكبر، اشهد أن لا اله الا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أفضح من دحرجوا الدباب منكم، ايها المنافقون الفاسقون المفترون على الله ورسوله، اسمعوا يا معاشر المهاجرين والأنصار ان عدد اصحاب الدباب اثنا عشر رجلا، وسماهم ونسبهم رجلا رجلا، ثم قال هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد لعنهم ولعنهم امير المؤمنين ولعنهم السبعون رجلا وأمرني أن ألعنهم ولعنهم حذيفة بن اليمان وهو ينادي ملء صوته: يا فلان يا فلان الفلاني: ان الله ورسوله لعنك لعنا كثيرا بقيا عليك في الدنيا والآخرة ولا يزول ثبوته ولا يعفو ولا يصفح من الله حتى اتى على آخرهم عدد ا لاثني عشر رجلا أصحاب الدباب باسمائهم وانسابهم في صعودهم العقبة واحدا بعد واحد بعد واحد فكان هذا من حديث اصحاب العقبة واصحاب الدباب. قال الحسين بن حمدان الخصيبي، حدثني جعفر بن مالك، عن يحيى بن زيد الحسيني، عن أبيه زيد عن عبد الله، عن الحسين بن موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه علي بن الحسين (صلوات الله عليهم) قال لما لقيه جابر بن عبد الله الانصاري برسالة جده رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) الى ابنه محمد الباقر قال له علي بن الحسين: يا جابر كنت شاهدت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الغار ؟ قال جابر لا يا ابن بنت


 

[ 83 ]

رسول الله، قال: اذن احدثك يا جابر، قال جابر: حدثني فداك أبي وأمي، فقد سمعته من جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لما هرب الى الغار من مشركي قريش حين كبسوا داره لقتله قال: اقصدوا فراشه حتى نقتله فيه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين علي بن ابي طالب (صلوات الله عليه): يا اخي ان مشركي قريش يكبسوني في داري هذه الليلة في فراشي فما أنت صانع يا علي. قال له امير المؤمنين أنا أضطجع يا رسول الله في فراشك وتكون خديجة في موضع من الدار، واخرج واصحب الله حيث تأمن على نفسك فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فديتك يا ابا الحسن اخرج لي ناقتي العضباء حتى أركب عليها واخرج الى الله تعالى هاربا من مشركي قريش و افعل بنفسك ما تشاء، والله خليفتي عليك وعلى خديجة فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) راكبا ناقته العضباء وسار وتلقاه جبرئيل (عليه السلام) فقال له: يا رسول الله ان الله أمرني أن أصبحك في مسيرك وفي الغار الذي تدخله وارجع معك إلى المدينة إلى أن تنيخ ناقتك بباب أبى ايوب الأنصاري (رضي الله عنه). فتلقاه أبو بكر، فقال له يا رسول الله أصبحك، فقال: ويلك يا ابا بكر أريد أن لا يشعر بي احد، فقال يا رسول الله اخشى أن يستحلفني المشركون على لقائي إياك ولا أجد بدا، من صدقهم، فقال له (عليه السلام): ويحك يا ابا بكر، وكنت فاعلا ذلك ؟ فقال له: كنت افعل لئلا اكذب واقتل، فقال له (عليه السلام): فما صحبتك إياي بنافعتك، فقال له أبو بكر ولكنك تستغشني وتخشى أن أنذر بك المشركين، فقال له (عليه السلام) سر إذا شئت فتلقاه الغار فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ناقته وأبركها بباب الغار ودخل ومعه جبريل (عليه السلام) وأبو بكر، وقامت خديجة في جانب الدار باكية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) واضطجع علي على فراش رسول الله يقيه


 

[ 84 ]

بنفسه، ووافى المشركون الدار ليلا فتساوروا عليها ودخلوها وقصدوا الى الفراش فوجدوا امير المؤمنين (عليه السلام) مضطجعا فيه، فضربوا بأيديهم إليه وقالوا: يا ابن ابي كبشة لم ينفعك سحرك ولا خدمة الجن لك اليوم نسقي اسلحتنا من دمك. فنهض امير المؤمنين (عليه السلام) ليريهم انهم لم يصلوا إليه، وجلس في الدار وقال: يا مشركي قريش انا علي بن أبي طالب، قالوا له: واين محمد يا علي ؟ قال: حيث يشاء الله، قالوا: فمن في الدار ؟ قال ما فيها الا خديجة، قالوا: الحسيبة النسيبة لولا تبعلها بمحمد يا علي واللات والعزى لولا حرمة ابيك وعظم محله في قريش لاعملنا اسيافنا فيك فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا مشركي قريش اعجبتكم كثرتكم، وفالق الحبة وبارئ النسمة ما يكون الا ما يريد الله تعالى، ولو شئت ان افني جمعكم لكنتم اهون علي من فراش السراج فلا شئ اضعف منه. فتضاحك المشركون وقال بعضهم لبعض: خلوا عليا لحرمة ابيه واقصدوا الطلب الى محمد، ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار وهو وجبريل (عليه السلام) وابو بكر معه فحزن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على خديجة فقال جبريل (عليه السلام): (لا تحزن ان الله معنا) ثم كشف له (عليه السلام) فرأى عليا وخديجة (عليهما السلام) ورأى سفينة جعفر بن ابي طالب (عليه السلام) ومن معه تعوم في البحر، فانزل الله سكينته على رسوله وهو الأمان مما خشيه على علي وخديجة، فانزل الله (تاتي اثنين) يريد جبريل (عليه السلام) ورسول الله (إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا فانزل الله سكينته عليه) ولو كان الذي حزن أبو بكر لكان أحق بالأمن من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يحزن. ثم ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لأبي بكر: يا أبا بكر اني


 

[ 85 ]

أرى عليا وخديجة ومشركي قريش وخطابهم له وسفينة جعفر بن ابي طالب ومن معه تعوم في البحر وراى الرهط من الانصار مجلبين في المدينة، قال أبو بكر: وتراهم يا رسول الله في هذه الليلة، وفي هذه الساعة، وأنت في الغار، وفي هذه الظلمة، وما بيننا وبينهم من بعد المدينة ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآ له) إني أريك يا ابا بكر ما رأيت حتى تصدقني ومسح يده على بصره فقال له: انظر الى سفينة جعفر، كيف تعوم في البحر، فنظر أبو بكر الى الكل من مشركي قريش وعلي على الفراش وخطابه لهم، وخديجة في جانب الدار، ففزع ورعب وقال يا رسول الله لا طاقة لي بالنظر الى ما رأيته فرد علي غطائي فمسح يده على بصره فحجب عما رآه واخذته رهقة، شديدة حتى أحدث اثني عشرة حفيرة. وروي أنه كان في الغار صدع وثلمة يدخل منها ضياء النهار، فوضع أبو بكر كعبه فيه لسده فنهشته افعى في عقبه ولم تسمه ففزع وأحدث في الحفرة، وليس هذا صحيحا بل الاول اصح في الاحداث. وقصد المشركون في الطلب لقفوا اثره حتى جاؤوا الى باب الغار ونظروا الى مبرك الناقة ولم يروها، وقالوا: هذا اثر ناقة محمد ومبركها في باب الغار فدخلوا فوجدوا على باب الغار نسج العنكبوت قد اظله، فقالوا: يا ويلكم ما ترون الى نسج هذا العنكبوت على باب الغار فكيف دخله محمد ؟ فصدهم الله عنه ورجعوا وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الغار وهاجر الى المدينة وخرج أبو بكر فحدث المشركين بخبره مع رسول الله وقال لهم لا طاقة لكم بسحر محمد وقصص يطول شرحها. قال جابر ابن عبد الله الانصاري هكذا والله يا ابن رسول الله حدثني جدك ما زاد حرفا ولا نقص حرفا. 28 - وعنه عن أبي الفوارس محمد بن موسى بن حمدون العدوي، قال: حدثني العباس بن عبد اله قال: حدثنا موسى بن مهران البصري،


 

[ 86 ]

عن أبي داود القدوسي عن عروة عن عائشة قالت: لما فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خيبر أصابوا أواني من ذهب وفضة وازواجا من خفاف ونعالا وحمارا اقمر فلما ركبه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له: يا حمار ما اسمك ؟ قال: عتيق ابن شهاب ابن حنيفه، قال: لمن كنت ؟ قال: لرجل يهودي، يقال له مرحب وكنت إذا ذكرت يسبك، وكنت إذا ركبني كبوت به على وجهه، وكان يسئ الي، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هل لك من إرب وحاجة تريد أن أعطيك من الاناث شيئا ؟ قال: لا، قال: ولم ذلك ؟ قال حدثني ابي عن ابيه وعن اجداده أنه ركب نسلنا سبعون نبيا وان آخر نسلنا يركبه نبي يقال له محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) واحب ان اكون آخر نسل فمكث عند رسول الله الى ان توفي رسول الله (عليه السلام) ومكث الحمار ثلاثة ايام بعده وتوحل في بئر فمات. 29 - وعنه قال حدثني جعفر بن القصير، عن اسماعيل القمي عن شاذان بن يحيى الفارسي، عن ماهان الابلي عن محمد بن سنان الزاهري قال: حججنا فلما اتينا المدينة وبها سيدنا جعفر الصادق (صلوات الله عليه) دخلنا عليه فوجدنا بين يديه صحف فيها تمر من تمر المدينة وهو يأكل منه ويطعم من بحضرته فقال لي هاك يا محمد بن سنان هذا التمر الصيحاني، كله وتبرك به فانه يشفي شيعتنا من كل داء إذا عرفوه، قلت: مولاي عرفوه بماذا ؟ يدعى صيحانيا، قال: عند العامة هفوة وينبغي ان يسمى التمر باسم غير هذا الكلام والله اعلم، قلت: لا والله يا مولاي ما نعلم هذا الا منك، قال: نعم، يا ابن سنان هو من دلائل جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وامير المؤمنين قلت: مولاي انعم علينا بمعرفته انعم الله عليك. قال خرج جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قابضا على يد امير المؤمنين متوجها نحو حدائق ظهر المدينة فكل من لقيه استأذنه في


 

[ 87 ]

صحبته، ولم يؤدن له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى انتهى الى اول نخلة فصاحت الى التي تليها هذا آدم وشيث قد اقبلا، وصاحت الاخرى الى التي تليها: يا اختي هذا نوح وسام قد اقبلا، وصاحت الاخرى التي تليها: يا اختي هذا يعقوب ويوسف قد اقبلا، وصاحت الاخرى إلى التي تليها: يا اختي هذا موسى ويوشع قد اقبلا، وصاحت الاخرى الى التي تليها: يا اختي هذا سليمان وآصف قد اقبلا، وصاحت الاخرى الى التي تليها: يا اختي هذا عيسى وشمعون الصفا قد اقبلا وصاحت الاخرى الى التي تليها: يا اختي هذا محمد رسول الله وامير المؤمنين علي بن ابي طالب قد اقبلا، وصاح سائر النخل في الحدائق بعضه الى بعض بهذا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام) فديتك بابي وأمي يا أبا الحسن هذا ذكرى لنا فاجلس بنا عند أول نخلة ننتهي إليها فلما انتهيا جلسا وما كان أوان حمل النخل فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا ابا الحسن مر هذه النخلة تنثني إليك وكانت النخلة باسقة فدعاها أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: يا ايتها النخلة هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لك أن تنثني إلى الأرض فانثنت إلى الأرض وهي مملوءة حملا رطبا جنيا، فقال له يا ابا الحسن: التقط وكل واطعمني فالتقط امير المؤمنين (عليه السلام) من رطبها واكل منها فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا ابا الحسن ان هذا النخل ينبغي ان نسميه صيحانيا لتصايحه وتشبيهه لي ولك بالنبيين والمرسلين وهذا اخي جبريل (عليه السلام) يقول ان الله (عز وجل) جعله شفاء الى شيعتنا خاصة فأمرهم يا ابا الحسن بمعرفته ان يستضيئوا ويتبركوا بأكله ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يا نخلة اظهري لنا من اجناس ثمر الأرض فقالت: لبيك يا رسول الله حبا وكرامة فاظهرت النخلة من كل الاجناس، فاقبل جبريل (عليه السلام) يقول:


 

[ 88 ]

ها يا نخلة، ان الله قد امرك ان تخرجي من كل جنس لرسول الله وحبيبه محمد واخيه ووصيه من اجناس الثمر، فاقبل جبريل (عليه السلام) يلقطه ويضعه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) فاكلا من كل جنس، فمرة يأكل امير المؤمنين نصفها ورسول الله نصفها وجبريل (عليه السلام) يقول يا رسول الله لوددت اني ممن يأكل الطعام فاستشفي الله واتبرك بفضل سؤرك، وسؤر امير المؤمنين وقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يا حبيبي جبريل فإن الله قد فضلك علينا فقال جبريل (عليه السلام) والله يا رسول الله ما فضلي الا بكما، انكما احب خلقه إليه واقربهم منه وازلفهم لديه. قال الصادق جعفر بن محمد (صلوات الله عليهما) فارتفعت النخلة وحدث رسول الله وامير المؤمنين شيعتنا بخبرها وقصة تلك النخلة من دلائله وعجائبه (عليه السلام والتحية والاكرام).


 

[ 89 ]

الباب الثاني باب أمير المؤمنين (عليه السلام)


 

[ 91 ]

مضى علي أمير المؤمنين وله ثلاث وخمسون سنة، في عام الأربعين من اول سني الهجرة، وكان مقامه بمكة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثا وعشرين سنة، منها ثلاث عشرة سنة في ظهور الرسالة، وأقام معه بالمدينة عشر سنين، ثم قبض النبي (صلى الله عليه وآله) وأقام بعده أيام ابي بكر سنتين وشهور، وأيام عمر تسع سنين وشهور، وأيام عثمان اثنتي عشرة سنة، وأيامه (عليه السلام) ست سنين، الجميع ثلاثون سنة. ومضى بضربة عبد الرحمن بن ملجم المرادي في ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان. وكان اسمه عليا وفي القرآن مبينا، قوله في قصة ابراهيم (عليه السلام)، (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) وقوله تعالى اجابة لإبراهيم (عليه السلام): (ووهبنا له اسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا) وقوله: (وانه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم) وله في القرآن ثلثمائة اسما. ورويت الاسانيد الصحيحة ووجدت في قراءة عبد الله بن مسعود


 

[ 92 ]

(رضي الله عنه) الذي قال النبي (صلى الله عليه وآله) من اراد أن يسمع القرآن غضا طريا كما انزله الله تعالى فليسمعه من فم عبد الله بن مسعود، وبهذا كان يدعوه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبيه، ففي قراءته: (ان علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم ان علينا بيانه) (1)، وقوله تعالى: (انما أنت منذر ولكل قوم هاد) والمنذر رسول الله (صلى الله عليه وآله) والهادي علي (عليه السلام). وقوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) والشاهد منه علي (عليه السلام). وقوله عز وجل: (عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون) وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) لعلي بن دراع الاسدي وقد دخل عليه وهو محتب في جامع الكوفة فوقف بين يديه، فقال: قد أرقت مدى ليلتك، فقال له: ما اعلمك يا امير المؤمنين بأرقي ؟ فقال: ذكرتني والله في ارقك، فإن شئت ذكرتك وأخبرتك به فقال علي بن دراع: أنعم علي يا أمير المؤمنين بذلك، فقال له: ذكرت في ليلتك هذه قول الله (عز وجل): (عم يتساءلون، عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون) فأرقك وفكرك فيه وتالله يا علي ما اختلف الملأ إلى بي وما لله نبأ هو أعظم مني، ولي ثلاثمائة اسم، لا يمكن التصريح بها لئلا يكبر على قوم لا يؤمنون بفضل الله (عز وجل) على رسوله وأمير المؤمنين والأئمة الراشدين. اسمه في صحف شيث وادريس ونوح وابراهيم وبالسرياني: مبين،


 

(1) لا يخفى ان المتفق عليه بين المسلمين ان القرآن هو هذا الذي بين الدفتين لم يزد فيه ولم يغير شئ، وإن اختلاف القراءات في بعض الموارد، ووجود قراءة خاصة لاحد القراء لا يعني اختلاف نسخ القرآن، فالقرآن واحد.


 

[ 93 ]

وباللسان العبراني الهيولى، والأمين، والثبات، والبيان، واليقين، والايمان، وفي التوراة: إليا، وفي الزبور: اريا، وبلغة الزنج: جينا، وبلسان الحبشة: تبريك، وسمي يوم القليب - وقد سقط عثمان في البدء من دابته الهلالية فعلق أمير المؤمنين برجله وأخرجه فسمته - ميمونا، وبلسان الأرمن: افريقا، وباللسان العربي: حيدرة. وسماه ابوه أبو طالب - وهو صغير وكان يصرع اكابر اخوته - ظهيرا. وكناه: أبو الحسن والحسين وابو شبر وابو شبير، وابو تراب، وابو النور، وابو السبطين، وابو الأئمة. وألقابه أمير المؤمنين، وهو اللقب الأعظم الذي خصه الله به وحده ولم يسم به احد قبله ولا يسمى به احد بعده إلا كان مأفونا في عقله ومأبونا في ذاته، وأمير النحل والنحل هم المؤمنون، والوصي، والامام، والخليفة، وسيد الوصيين، والصديق الأعظم، والفاروق الاكبر، وقسيم الجنة والنار، وقاضي الدين، ومنجز الوعد، والمحنة الكبرى، وصاحب اللواء، والذائد عن الحوض، ومهلك الجان، الأنزع البطين، والاصلع الأمين، وكاشف الكرب، ويعسوب الدين، وباب حطة، وباب المقام، وحجة الخصام، ودابة الأرض، وصاحب القضايا، وفاصل القضاء، وسفينة النجاة، والمنهج الواضح، والمحجة البيضاء، وقصد السبيل، وجزارة قريش، ومفتي القرون، ومكر الكرات، ومديل الدولات، وراجع الرجعات، والقوم الحديد، الذي هو في الله ابدا جديد. وامه فاطمة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف، ولم يكن في زمانه هاشمي ابن هاشمية غيره وغير اخوته جعفر وطالب وعقيل، وابنيه الحسن والحسين وابنتيه زينب وام كلثوم (عليهم السلام)، ومشهده في الذكوات البيض بالغريين غربي الكوفة. وفي مشهده خبر قال الحسين بن حمدان الخصيبي: حدثني احمد بن


 

[ 94 ]

صالح، عن ابي هاشم داود بن القاسم الجعفري، عن ابي جعفر الإمام التاسع (عليه السلام) عن أبيه علي الرضا وموسى الكاظم وجعفر الصادق (عليهم السلام) ان الصادق (عليه السلام) قال لشيعته بالكوفة، وقد سألوه عن فضل الغريين والبقعة التي دفن فيها امير المؤمنين (عليه السلام) ولم سمي الغريان غريين فقال: ان الجبار المعروف بالنعمان بن المنذر، كان يقتل اكابر العرب ومن ناوأه من جبابرتهم وكبرائهم وكان الغريان على يمين الجادة فإذا قتل رجلا امر بحمل دمه الى جادة العلمين حتى يغريانه يريد بذلك يشهده المقتول إذا رأى دمه على العلمين من اجل ذلك سمي الغريان. واما البقعة التي فيها قبر أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) فإن نوحا (صلوات الله عليه) لما طافت السفينة وهبط جبريل (عليه السلام) على نوح فقال: ان الله يأمرك أن تنزيل ما بين السفينة والركن اليماني فإذا استقرت قدماك على الأرض فابحث بيدك هناك فانه يخرج تابوت آدم فاحمله معك في السفينة فإذا غاص فابحث بيدك الماء فادفنه بظهر النجف بين الذكوات البيض والكوفة فانها بقعة اخترتها له ولك يا نوح ولعلي بن ابي طالب (صلوات الله عليه) وصي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ففعل نوح ذلك ووصى ابنه ساما ان يدفنه في البقعة مع التابوت الذي لآدم، فإذا زرتم مشهد امير المؤمنين فزوروا آدم ونوح وعلي بن ابي طالب (عليهم السلام). ولد له من فاطمة (عليها السلام) الحسن، والحسين، ومحسن - مات صغيرا - وزينب وام كلثوم (عليهم السلام). وكان له من خولة الحنفية أبو هاشم محمد بن الحنفية. وكان له عبد الله والعباس وجعفر وعثمان من ام البنين وهي جعدة ابنة خالد بن زيد الكلابية.


 

[ 95 ]

وكان له من ام عمر التغلبية عمر ورقية وهي من سبي خالد بن الوليد. وكان له يحيى من اسماء بنت عميس الخثعمية. وكان له محمد الأصغر من ام ولد. وكان له الحسن ورملة وامهما ام شعيب المخزومية. وكان له أبو بكر وعبيد الله وامهما ليلى ابنة مسعود النهشلية والذي اعقب من ولد أمير المؤمنين: الحسن والحسين (عليهما السلام) ومحمد بن الحنفية والعباس وعمر. قال: ومضى امير المؤمنين (عليه السلام) وخلف منهن امامة ابنة زينب ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وليلى التميمية وأسماء ابنة عميس الخثعمية، وام البنين الكلابية، وثمانية عشر ولدا، ولم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تزوج أو تمتع بحرة ولا أمة في حياة خديجة (عليها السلام) إلا بعد وفاتها، وكذلك امير المؤمنين لم يتزوج ولا تمتع بحرة ولا امة في حياة فاطمة (عليها السلام) إلا بعد وفاتها وكان اسم ابي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: " أنا اهل بيت نبوة ورسالة وإمامة، وإنه لا تقبلنا عند ولادتنا القوابل ". وإن الامام لا يتولى ولادته ووفاته وتغميضه وتغسيله وتكفينه ودفنه والصلاة عليه إلا الإمام. والذي تولى وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي (عليه السلام) غمضه وغسله و كفنه وصلى عليه وتولى امره امير المومنين (عليه السلام) وولداه الحسن والحسين (عليهما السلام) توليا وفاة امير المؤمنين (عليه السلام) وتغميضه وغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه ولم يحضره احد غيرهما، ودفناه ليلا، ولم يظهر على مشهده احد الا بدلالة صفوان


 

[ 96 ]

الجمال، وكان جمال الصادق (عليه السلام). ثم دلت عليه الأئمة من موسى بن جعفر وعلي الرضا ومحمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري ورواه شيعتهم وكان دلالة صفوان على مشهد أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) دلالة ظهرت للناس. قال الحسين بن حمدان: حدثني محمد بن يحيى الفارسي عن محمد بن جمهور القمي عن عبد الله الكرخي عن علي بن مهران الاهوازي عن محمد بن صدقة عن محمد بن سنان الزاهري عن المفضل بن عمر الجعفي عن مولانا الصادق (عليه السلام) قال المفضل: دعاني سيدي الصادق في جنح الليل وهو مقتم اسود فحضرت داره وهي تزهر نورا بلا ظلمة فلما امتثلت بين يديه قال يا مفضل: مر صفوانا يصلح لي على ناقتي السعداء رحلها واقم في الباب الى وقت رجوعي اليك قال ثم خرج مولاي الصادق (عليه السلام) وقد احضر صفوان الناقة واصلح رحلها فاستوى عليها واثارها ثم قال يا صفوان: خذ بحقاب الناقة وارتدف، قال: ففعل صفوان ذلك ومرت الناقة كالبرق الخاطف أو كاللحظ السريع وجلست بالباب حتى مضى من الليل سبع ساعات من وقت ركوب سيدي الصادق منه السلام. قال المفضل: فرأيت الناقة وهي كجناح الطير وقد انقضت الى الباب، ونزل عنها مولاي منه السلام فانقلب صفوان الى الأرض خافتا فأمهلته واقبلت انظر الى الناقة، وهي تخفق والعرق يجري منها حتى ثاب صفوان فقلت: خذ ناقتك إليك وعدل إلى أن خرج مغيث خادم مولاي الصادق، فقال سل يا مفضل صفوانا عما رأى، ويا صفوان حدثه ولا تكتمه. قال: فجلس صفوان بين يدي، وقال: يا مفضل اخبرك بالذي رأيت الليلة فقد اذن لي مولاي، قلت: نعم، قال: أمرني سيدي (عليه السلام) فارتدفت على الناقة، ولم أعلم انا في سماء أم في أرض غير اني احس في الناقة وهي كأنها الكوكب المنقض حتى أناخت ونزل مولاي (عليه السلام) ونزلت وصلى ركعتين وقال: يا صفوان صل واعلم انك في بيت


 

[ 97 ]

الله الحرام، قال: فصليت ثم ركبت وارتدفت، وهبت الناقة كهبوب الريح العاصف، ثم انقضت فأناخت فنزل مولاي (عليه السلام) فقال: صل يا صفوان ركعتين واعلم إنك في المسجد الاقصى، قال: ثم ركب وارتدفت وسارت الناقة وهبطت فاناخت فنزل مولاي عنها ونزلت فصلى ركعتين. ثم قال: صل يا صفوان واعلم بانك بين قبر جدي (عليه السلام) ومنبره قال: فصليت فقال: يا صفوان ارتدف من ورائي فارتدفت فسارت مثل سيرها وانقضت فنزل مولاي (عليه السلام) وصلى وصليت فقال: يا صفوان انت على جبل طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران (عليه السلام) ثم ركب وارتدفت وانقضت فنزل عنها، ونزلت فإذا هو يجهش بالبكاء ويقول: جللت من مقام ما اعظمك، ومصرع ما اجلك، أنت والله البقعة المباركة والربوة ذات قرار ومعين، وفيك والله كانت الشجرة التي كلم الله منها موسى (عليه السلام) ما اطول حزننا بمصابنا فيك الى ان يأخذ الله بحقنا قال: وتكلم بكلام خفي عني ثم صلى ركعتين وصليت وأنا أبكي وأخفي بكائي ثم ركب وارتدفت فنزل عن قريب لنا وصلى وصليت قال: يا صفوان هل تعلم أين أنت ؟ قلت: يا مولاي عرفني حتى اعرف، قال: انت بالغريين في الذكوات البيض في البقعة التي دفن فيها أمير المؤمنين علي (عليه السلام). قال: فقلت يا مولاي فاجعل لي إليها دليلا، قال: ويحك بعدي أو بعدي، قال فقلت يا مولاي بعهدك وبعدك قال على انك لا تدل عليها ولا تزورها الا بأمري قال: فقلت يا مولاي إني لا ادل عليها ولا ازورها الا بأمرك، قال خذ يا صفوان من الشعير الذي تزودته الناقة فانثر منه حبا الى مسجد السهلة وبكر عليه تستدل وتعرف البقعة بعينها وزرها إذا شئت، ولا تظهرها لأحد إلا من تثق به ومن يتلوني من الأئمة (عليهم السلام) إلى وقت ظهور مهدينا أهل البيت (صلوات الله عليه) ثم يكون


 

[ 98 ]

الأمر الى الله ويظهر فيها ما يشاء حتى تكون معقلا لشيعتنا وتضرعا الى الله ووسيلة للمؤمنين. قال المفضل: فظلت باقي ليلتي راكعا وساجدا أسأل الله بقائي إلى صباح ذلك اليوم فلما اصبحت دخلت على مولاي منه السلام فقلت أريد الفوز العظيم والسعي الى البقعة المباركة التي بين الذكوات البيض في الغريين قال: امض وفقك الله يا مفضل وصفوان معك قال المفضل: فأخذ بيدي وقصدت مسجد السهلة، ثم استدللنا بالحبات الشعير المنثورة حتى وردنا البقعة فلذنا بها وزرنا وصلينا ورجعنا وانفسنا مريضة خوفا من أن لا نكون وردنا البقعة بعينها، قال: ودخلنا من مزارنا منها الى مولانا الصادق (عليه السلام) فوقفنا بين يديه فقال: والله يا مفضل ويا صفوان ما خرجتما عن البقعة عقدا واحدا ولا نقصتما عنها قدما فقلنا: الحمد لله ولك يا مولاي وشكرا لهذه النعمة وقرأ: (وكل شئ أحصيناه كتابا) وقوله: (وكل شئ احصيناه في إمام مبين). وروي بهذه الاسناد عن الصادق (عليه السلام) عن ابيه الباقر (عليه السلام) قال: دخل سلمان الفارسي (عليه السلام)، والمقداد بن الأسود الكندي، وأبو ذر جندب الغفاري، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وأبو الهيثم مالك بن التيهان، وخزيمة بن ثابت، وابو الطفيل عامر على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجلسوا بين يديه والحزن ظاهر في وجوههم فقالوا له فديناك بالآباء والأمهات يا رسول الله انا نسمع في اخيك علي (عليه السلام) ما يحزننا سماعه وإنا نستأذنك في الرد عليهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وما عساهم يقولون في اخي علي ؟ فقالوا: يا رسول الله انهم يقولون: اي فضيلة له في سبقه إلى الإسلام، وإنما ادركه الإسلام طفلا، ونحن يحزننا هذا فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هذا يحزنكم ؟ قالوا: نعم يا رسول الله، فقال اسألكم بالله هل علمتم من الكتب الأولى ان ابراهيم (عليه السلام) هربت به امه وهو


 

[ 99 ]

طفل صغير من عدو الله وعدوه النمرود في عهده فوضعته امه بين ثلاث اشجار شاطئ نهر يدفق يقال له حوران وهو بين غروب الشمس وإقبال الليل فلما وضعته امه واستقر على وجه الأرض فقام من تحتها فمسح رأسه ووجهه وسائر بدنه وهو يكثر من الشهادة لله بالوحدانية ثم اخذ ثوبا فاتشح به وامه ترى ما يفعل فرعبت منه رعبا شديدا فهرول من بين يديها مادا عينه الى السماء فكان منه ما قال الله (عز وجل): (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي) وقصة الشمس والقمر إلى قوله: وما انا من المشركين). وعلمتم ان موسى بن عمران (عليه السلام) كان فرعون في طلبه يبقر بطون النساء الحوامل ويذبح الأطفال لقتل موسى (عليه السلام) فلما ولدته امه اوحى إليها أن يأخذوه من تحتها فتقذفه وتلقيه في التابوت وتقذفه في اليم فبقيت حيرانة حتى كلمها موسى وقال لها يا أم اقذفيني في التابوت فقالت له هي من كلامه يا بني اني اخاف عليك من الغرق فقال لها: لا تخافي ان الله رادي اليك ففعلت ذلك فبقي التابوت في اليم الى ان القاه الى الساحل ورد الى امه وهو برهة لا يطعم طعاما ولا يشرب شرابا معصوما وروي ان المدة كانت سبعين يوما وروي انها كانت تسعة اشهر وقال الله تعالى في حال طفوليته: (ولتصنع على عيني إذ تمشي اختك فتقول هل ادلكم على اهل بيت يكفلونه) الآية. وهذا عيسى بن مريم (عليه السلام) قال الله تعالى: (فناديها من تحتها الا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا) إلى آخر الآية. فكلم امه وقت مولده فقال لها: (كلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر احدا فقولي اني نذرت للرحمن صوما فلن اكلم اليوم انسيا). وقال: (فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال اني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا اينما كنت واوصاني


 

[ 100 ]

بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا). فتكلم عيسى بن مريم (عليه السلام) في وقت ولادته واعطي الكتاب والنبوة واوصي بالصلاة والزكاة في ساعة مولده وكلمه الناس في اليوم الثالث وقد علمتم جميعا خلقتي وان عليا من نوري ونوري ونوره نور واحد وكنا كذلك نسبح الله ونقدسه ونمجده ونهلله ونكبره قبل ان يخلق الملائكة والسماوات والأرضين والهواء ثم عرش العرش وكتب أسماءنا بالنور عليه ثم اسكننا صلب آدم ولم نزل ننتقل في اصلاب الرجال المؤمنين وفي أرحام النساء الصالحات يسمع تسبيحنا في الظهور والبطون في كل عهد وعصر وزمان إلى أبي عبد المطلب فانه كان يظهر نورنا في بلجات وجوه آبائنا وامهاتنا حتى ثبتت اسماؤنا مخطوطة بالنور على جبهاتهم. فلما افترقنا نصفين: في عبد الله نصف، وفي أبي طالب عمي نصف كان تسبيحنا في ظهورهما، فكان عمي وأبي إذا جلسا في ملأ من الناس ناجى نوري من صلب أبي نور علي من صلب أبيه إلى أن خرجنا من صلبي أبوينا وبطني أمينا ولقد علم جبريل (عليه السلام) في وقت ولادة علي وهو يقول: هذا اول ظهور نبوتك واعلان وحيك وكشف رسالتك إذ أيدك الله بأخيك ووزيرك وصنوك وخليفتك ومن شددت به ازرك وأعليت به ذكرك علي بن أبي طالب فقمت مبادرا فوجدت فاطمة ابنة اسد ام علي بن ابي طالب وقد جاءها المخاض فوجدتها بين النساء والقوابل من حولها فقال حبيبي جبرائيل: سجف بينها وبين النساء سجافا، فإذا وضعت عليا فتلقه بيدك اليمنى ففعلت ما امرني به ومددت يدي اليمنى نحو امه فإذا بعلي ماثلا على يدي واضعا يده اليمنى في اذنه يؤذن ويقيم بالحنفية ويشهد بوحدانية الله (عز وجل) وبرسالتي. ثم اشار الي فقال: يا رسول الله إقرأ، قلت: اقرأ والذي نفس محمد بيده لقد ابتدأ بالصحف التي انزلها الله على آدم وابنه شيث فتلاها من


 

[ 101 ]

أول حرف الى آخر حرف حتى لو حضر شيث لأقر بانه أقرأ لها منه، ثم تلا صحف نوح حتى لو حضر نوح لاقر أنه اقرأ لها منه، ثم تلا صحف ابراهيم حتى لو حضر ابراهيم لأقر انه اقرأ لها منه، ثم تلا زبور داود حتى لو حضر داود لأقر أنه أقرأ لها منه، ثم تلا توراة موسى حتى لو حضر موسى لأقر انه أقرأ، ثم قرأ انجيل عيسى حتى لو حضر عيسى لأقر بأنه اقرأ لها منه، ثم خاطبني وخاظبته بما يخاطب به الأنبياء ثم عاد الى طفولتيه. وهكذا سبيل الاثني عشر إماما من ولده يفعلون في ولادتهم مثله. فماذا تحدثون وماذا عليكم من قول اهل المشك والشرك بالله هل تعلمون إني افضل النبيين، ووصيي علي افضل الوصيين، وان ابي آدم تمام اسمي واسم أخي علي وابنتي فاطمة وابني الحسن والحسين (عليهم السلام) مكتوبة على سرادق العرش بالنور، منذ قال آدم: " الهى هل خلقت خلقا قبلي هو اكرم عليك مني " قال يا آدم: لولا هذه الاسماء ما خلقت سماء مبنية ولا ارضا مدحية ولا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا خلقتك يا آدم " فقال: الهي وسيدي بحقهم الا غفرت لي خطيئتي. فكنا نحن الكلمات التي تلقى آدم من ربه، فغفر له وقال: ابشر يا آدم فإن هذه الأسماء من ذريتك وولدك فحمد الله وافتخر على الملائكة بنا فإذا كان هذا من فضلنا عند الله وفضل الله علينا ولا يعطى ابراهيم وموسى وعيسى شيئا من الفضل الا ويعطيه بنا فماذا يضرنا ويحزنكم قول أهل الافك والمسرفين. فقام سلمان ومن كان معه على اقدامهم وهم يقولون: يا رسول الله نحن الفائزون ؟ قال: نعم. انتم الفائزون، والله لكم خلقت الجنة، ولاعدائنا واعدائكم خلقت النار. فكان هذا من دلائله وبراهينه ومعاجزه قبل وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وأما بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمن دلائله


 

[ 102 ]

و معجزاته. روي بالاسناد ان أبا بكر لقيه في سكة بني النجار في المدينة، وكان قد استخلف الناس أبا بكر فسلم أبو بكر عليه وصافحه وقال له: يا ابا الحسن عسى في نفسك شئ من استخلاف الناس إياي وما كان في السقيفة واكراهك على البيعة، والله ما كان ذلك بإرادتي إلا أن المسلمين اجتمعوا على أمر لم اكن اخالف عليه وفيه، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (لن تجتمع امتي على ضلال) فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): منهم الذين اطاعوا الله واطاعوا رسوله بعهده وبعده واخذوا بهديه وأوفوا بما عادهوا الله عليه، ولم يغيروا ولا بدلوا ؟ قال أبو بكر: والله يا علي لو شهد عندي من اثق به أنك احق بهذا الأمر مني لسلمته اليك، رضي من رضي، وسخط من سخط، فقال له أمير المؤمنين منه السلام: بالله يا أبا بكر هل أنت بأحد أوثق منك برسول الله ؟ قال أبو بكر: لا والله، قال له: فقد أخذ عليك بيعتي في اربع مواطن، وعلى جماعة معك فيهم عمر وعثمان: في يوم الدار، وفي بيعة الرضوان، وتحت الشجرة ويوم جلوسه في بيت أم سلمة وأنا عن يمينه أحضرك وعمر وعثمان وسلمان والمقداد وجندب وعمار وحذيفة وابو الهيثم مالك بن التيهان وابو الطفيل عامر بن واثلة حتى امتلأ منهم البيت وحضر بريدة الاسلمي فجلس على عتبة الباب فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): قم يا أبا بكر فسلم على علي بإمرة المؤمنين وبايع له فما أجزاك إلا أن القول مني فقلت أقوم يا رسول الله عن امر الله وأمرك وأبايع عليا وأسلم عليه بإمرة المؤمنين ؟ فقال: نعم، قم يا ابا بكر، فقمت فبايعتني وسلمت علي بإمرة المؤمنين كما أمرك، وجلست، ثم قال: قم يا عمر، فأعاد القول كما أعدته انت فقال: يا رسول الله أسلم على علي بإمرة المؤمنين قال: نعم، قم فبايعه، وسلم عليه بإمرة المؤمنين فقام و بايعني وسلم علي بإمرة المؤمنين وجلس.


 

[ 103 ]

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قم يا عثمان إلى أخي علي وسلم عليه بإمرة المؤمنين، فما قام حتى قال مثلما قلتما فأعاد عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثالثة فقام فبايعني وسلم علي بإمرة المؤمنين وجلس. فقال النبي (صلى الله عليه وآله): قم يا سلمان، قم يا مقداد، قم يا جندب، قم يا عمار، قم يا حذيفة، قم يا خزيمة، قم يا ابا الهيثم، قم يا عامر، قم يا بريدة، فبايعوا لأخي علي وسلموا عليه بإمرة المؤمنين فقاموا بأجمعهم بلا مراجعة، فبايعوا لي وسلموا علي بإمرة المؤمنين. وفي يوم غدير خم بعد رجوعه من حجة الوداع فقد نزل بغدير خم وقد علمت أنه كان يوما شديد القيظ يشيب فيه الطفل فأشار إلي جميعكم ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاستظلوا بالدوحات التي حول الغدير، فلما قرب الزوال وقف (عليه السلام) واشار اليكم ان احتطبوا وخذوا من الدوحات ما سقط وأتوني به فكبس ما جمعتم بعضه فوق بعض فلما رأى لا يوفي الجمع امر عليه بالأقتاب، فنصب بعضا فوق بعض حتى علت العسكر ثم علاها ودعاني فعلوت معه فكان ما سمعتموه، وهو أن أخذ كفي بكفه اليمنى وقد بسطهما نحو السماء حتى رأيتم بياض إبطيه يريكم شخصي ويعلن بأمري، ويقول ما أمر به. قال الحسين بن حمدان: انما تركنا اعادة الاشهاد عند الناس جميعا، ويرجع الخبر الى قول امير المؤمنين (عليه السلام): فقلتم بأجمعكم سمعا وطاعة لله و لرسوله فقال لكم: الله ورسوله عليكم من الشاهدين، فقال لكم: فليشهد بعضكم على بعض وليسمع من سمع مني من لم يسمع فقلتم: نعم يا رسول الله فنزل وصلى صلاة الزوال، وارتفع صوت الاذان والاقامة في العسكر، فصلى بهم صلاة الظهر والعصر، فلما فرغنا من الصلاة قمتم انتم بأجمعكم تهنئون رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتهنؤني


 

[ 104 ]

بكرامة الله لنا، فدنا مني عمر فضرب على كفي وقال بحضرتكم: بخ بخ يا ابن أبي طالب اصبحت مولانا ومولى المؤمنين، قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ويحك يا أبا حفص ألا دعوته بما امرك الله ان تدعوه بإمرة المؤمنين، فتقول: أصبحت يا أمير المؤمنين مولانا ومولى المؤمنين ؟ فقال: نعم، فقال أبو بكر: يا ابا الحسن والله لقد ذكرتني امرا لم اكن أعلم ولو يكون رسول الله شاهدا فاسمعه، فقال له امير المؤمنين (عليه السلام): يا ابا بكر، الله ورسوله عليك من الشاهدين، ان رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيا ويقول لك: انك ظالم في اخذ حقي الذي جعله الله لي ولرسوله دونك ودون المسلمين انك تسلم هذا الأمر الي وتخلع نفسك منه ؟ قال أبو بكر: هذا ما لا يكون إلا أن أرى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد موته حيا يقول لي ويأمرني بذلك قال له امير المؤمنين (عليه السلام): نعم يا أبا بكر، قال: فأرني ذلك إن يكن حقا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الله ورسوله عليك من الشاهدين إنك تفي بما قلت، قال أبو بكر: نعم فضرب أمير المؤمنين على يده ومال يسعى به إلى مسجد قبا فلما ورداه تقدم أمير المؤمنين (عليه السلام) فدخل المسجد وأبو بكر من ورائه فإذا هما برسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس في قبلة المسجد، فلما رآه أبو بكر سقط لوجهه كالمغشي عليه فبادره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ارفع ايها الضليل المفتون ارفع رأسك فرفع رأسه وقال لبيك يا رسول الله أحياة بعد الموت ؟ قال: نعم، ويحك يا أبا بكر ان الذي احياها لمحيى الموتى قال: فسكت أبو بكر وشخصت عيناه نحو رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ويحك يا أبا بكر انسيت ما عاهدت الله ورسوله عليك في المواطن الأربع لعلي فما بالك تناشد عليا فيها ويذكرك فتنساها، وقص عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما جرى بينه وبين امير المؤمنين فلم ينقص منه كلمة ولا زاد فيه كلمة، الى أن انتهى فقال أبو بكر يا رسول الله: فهل من توبة ؟


 

[ 105 ]

وهل يعفو الله عني إذا سلمت هذا الأمر الى امير المؤمنين ؟ فقال: نعم يا أبا بكر وأنا الضامن لك على الله ذلك إن وفيت. قال: وغاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فثبت أبو بكر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال الله الله سر معي حتى اعلو المنبر فأقص على الناس ما شاهدت وما رأيت من أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وما قال لي، وما قلت له، وما امرني وأخلع نفسي من هذا الأمر، وأسلمه إليك. قال أمير المؤمنين: أنا معك يا أبا بكر إن تركك شيطانك، قال أبو بكر: إن لم يتركني تركته وعصيته، فقال أمير المؤمنين: تطيعه ولا تعصيه، والله ما اردت الا تأكيد الحجة عليك فأخذ بيده وخرجا من مسجد قبا يريدان مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمنبر وابو بكر يخفق بعضه بعضا يتلون الوانا والناس ينظرون إليه ولا يدرون بالذي كان منه حتى لقيه عمر، فقال له: يا خليفة رسول الله ما شأنك ؟ وما الذي دهاك ؟ فقال: خل عني يا عمر فوالله لا سمعت لك قولا، فقال: وأين تريد يا خليفة رسول الله ؟ فقال أبو بكر: أريد المنبر، فقال له عمر: انه ليس وقت صلاة ولا منبر، فقال: خل عني فلا حاجة لي في كلامك، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله، فما تدخل قبل المسجد منزلك فتسبغ الوضوء ؟ فقال له أبو بكر: بلى، ثم التفت إلى أمير المؤمنين فقال: يا ابا الحسن اجلس إلى جانب المنبر حتى أخرج اليك فتبسم أمير المؤمنين، ثم قال: يا أبا بكر قد قلت لك إن شيطانك لا يدعك ويردك. وسعى أمير المؤمنين (عليه السلام) وجلس بجانب المنبر ودخل أبو بكر منزله وعمر معه فقال له: يا خليفة رسول الله لم لا تعرفني امرك وتحدثني بما دهاك ؟ فقال أبو بكر: ويحك يا عمر، رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله


 

[ 106 ]

وسلم) بعد موته وخاطبني وخاطبته في ظلمي لعلي، ويأمرني أن أرد حقه عليه وأخلع نفسي منه، فقال عمر: يا خليفة رسول الله قص على قصتك من أولها الى آخرها، فقال له: ويحك يا عمر إن عليا قال لي: إنك لا تدعني أخرج هذه المظلمة من عنقي، وإنك شيطاني فلم يزل عمر يحدثه بحديثه كله فقال له بالله يا أبا بكر أنسيت في أول شهر رمضان الذي فرض علينا صيامه، حيث جاءك خذيفة بن اليمان، ومعه سهل بن حنيف وعثمان اخوه ونعيمان الأنصاري وخزيمة بن ثابت في الجمعة الى دارك ليقضيك دينا له عليك فلما انتهوا إلى باب الدار سمعوا صلصلة في الدار فوقفوا على باب الدار ولم يستأذنوا عليك فسمعوا ام بكر زوجتك تناشدك، وتقول لك: قد عمل حر الشمس بين كتفيك، فقم من سوآء الدار إلى داخل الجدار وكن بنفسك من الشمس، وابعد من الباب ليسمعك بعض اصحاب محمد فيهدر دمك فقد علمت ان محمدا قد أهدر دم من أفطر يوما من شهر رمضان من غير سفر ولا مرض خلافا على الله ورسوله فقلت لها هاك لا أم لك فضل طعامي في الليل واترعي لي الكأس قرقفا فوقف حذيفة بن اليمان ومن معه يسمعون محاورتك فجاءت بصحيفة فيها ثريد وأخذت القعب فكرعت منه في ضحى النهار وجعلت تقول لزوجتك: ذريني اصطبح يا أم بكر * فإن الموت نقب عن هشام ونقب عن أخيك وكان صفوا * من الفتيان في شرب المدام تلبي بالتحية أم بكر * وهل لك بعد قومك من سلام فكم لك بالقليب قليب بدر * من الاجسام تكلم بالسهام وكم لك بالطوي طوي احد * من الحركات والدسع العظام من انصار الكريم الى علي * حيا الكأس الكريمة والمدام يقول لنا ابن كبشة سوف نحي * وكيف حياة أشلاء وهام يود ابن المغيرة لو فداه * بألف من سنام أو سوام أاترك ان يكف الموت عني * ويحييني إذا بليت عظامي


 

[ 107 ]

أتزعم باطلا ما قال هذا * وافكا من زخاريف الكلام الا من مبلغ الرحمن عني * بأني تارك شهر الصيام إذا ما الرأس فارق منكبيه * وليس بذاك يقطع للطعام فقل لله يمنعني شرابي * وقل لله يمنعني طعامي فسمعوك تهجو محمدا في دارك، فهجموا عليك في دارك، فوجدوك وقعب الخمر في يدك وأنت تكرعها، فقالوا لك: يا عدو الله خالفت الله وخالفت رسوله وحملوك كهيئتك الى مجمع الناس، بباب رسول الله وقصوا قصتك، وأعادوا شعرك، فدنوت منك وقلت في صحيح الناس، عليك قل: انك شربتها ليلا فثملتها نهارا، فزال عقلك فأتيت ما اتيته زيادا، ولا علم لك بذلك فعسى أن يدرأ عنك الحد. وخرج محمد فنظر اليك فقال: استنطقوه فقالوا: رأيناه ثملا يا رسول الله لا يعقل، فقال: ويحك، والخمر تزيل العقول تعلمون هذا من انفسكم، وأنتم تشربونها، فقلنا: نعم يا رسول الله وقد قال فيها قائد الشعراء امرؤ القيس ابن حجر الكندي: شربت الإثم حتى زال عقلي * كذاك الإثم تذهب بالعقول فقال: والإثم من اسماء الخمرة، فقلنا: نعم يا رسول الله، فقال: أنظروه الى افاقته من سكرته، فأمهلك حتى أريتهم أنك قد صحوت فسألك محمدا فأخبرته بما اوعزته إليك من شربك لها بالليل وكانت حلالا في سائر الشرائع والملل وفي شريعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء تحريمها من أجلك من سبب سكرتك فما بالك اليوم تؤمن بمحمد وما جاء به، وهو عندنا ساحر كذاب. فقال: ويحك يا ابا حفص لا شك عندي فيما قصصته علي فاخرج الى علي، فاصرفه عن المنبر.


 

[ 108 ]

فخرج عمر وأمير المؤمنين (عليه السلام) بجانب المنبر جالس فقال: مالك يا علي قد تصديت لها هيهات هيهات، دون والله ما تروم من علو هذا المنبر خرط القتاد. فتبسم امير المؤمنين (عليه السلام) حتى بدت نواجذه، ثم قال: ويلك منها كل الويل يا عمر إذا أفضت إليك، والويل للأمة من بلائك. وانصرف أمير المؤمنين إلى منزله فكان هذا من دلائله (عليه السلام). قال الحسين بن حمدان: حدثني جعفر بن مالك، عن محمد بن خلف عن المخول بن ابراهيم، عن زيد الشحام عن ابي حمزة الثمالي، عن أبي خالد بن عبد الله بن حزام الأنصاري، عن حذيفة بن اليمان ونعيمان وسهل بن حنيف وخزيمة بن ثابت بالحديث الذي كان لحذيفة بن اليمان مع أبي بكر وقصد داره بهؤلاء الثلاثة نفر في يوم الجمعة في أول يوم من شهر رمضان فرض على المسلمين صيامه، وأكل أبي بكر الطعام، وشربه الخمرة، وشعره على ما تضمنه منه عمر بتذكيره لأبي بكر في نقضه الصيام وأكله الطعام وشربه الخمرة وقوله الشعر الذي لزمه الكفر بالله عز وجل وبرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، اجتمعت تيم - وهي قبيلة أبي بكر - وعدي - وهي قبيلة عمر - وأمية - وهي قبيلة عثمان - وزهرة - وهي قبيلة عبد الرحمن بن عوف الزهري - والكل من قريش فقالوا: يا رسول الله ما لأبي بكر ذنب فلا تحرم علينا الخمرة فهب لنا ذنبه وأقبل منا الكفارة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا حكم إلا حكم الله، وأنا منتظر ما يأتي به جبريل (عليه السلام) عن الله (عز وجل) فأنزل الله تبارك وتعالى: (والذي خبث لا يخرج إلا نكدا) ونهى بذلك وكثر سؤال الناس عن الخمرة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن شرب الخمر، ونادى في المدينة وكتب إلى أهل الإسلام بذلك.


 

[ 109 ]

واحتجوا بأنه مطلق حلال، ولم ينزل تحريمها في كتاب من كتب الله (عز وجل)، وذكروا خبر نوح (عليه السلام) وانه شرب وسكر من الخمرة حتى رقد وخرج ابنه حام وقد حملت الريح ثوب أبيه نوح (عليه السلام) حتى كشف عورته، فوقف ينظر إليه ويتضاحك في وجهه، ويعجب من أبيه فقام سام اخوه ونظر إليه ورأى ما يصنع فقال له: ويحك يا حام بمن تهزأ ؟ فلم يخبره بشئ فنظر سام منظر حام وإذا بالريح قد كشف ثوب أبيهما، وهو سكران نائم، فدنا منه ومد عليه ثوبه وألقى عليه ملاءته وقعد يحرسه إلى أن أفاق، وأنتبه من رقدته فنظر الى سام فقال: يا بني ما لك جالسا وملاءتك على لونك متفكرا لا يكون أحد جنى عليك جناية، فعدت تحرسني منها فقال له الله ورسوله اعلم فهبط جبريل (عليه السلام، وقال له: يا نوح ربك يقرئك السلام ويقول لك ان حاما فعل بك كيت وكيت، وسام ابنك انكر ذلك من فعله وسترك وطرح ملاءته عليك، وحرسك من اخيه حام ومن الريح، فقال نوح: بدل الله ما بحام من جمال قبحا، ومن خير شرا، ومن ايمان كفرا، ولعنه لعنا وبيلا كما صنع بأبيه رسولك ولم يشكر لولادته ولا لهدايته. فاستجاب الله دعاء نبيه نوح (عليه السلام) في ولده حام واستحال جماله سوادا مخبا منخلقا مجددا مقطحا طمطمانيا فوثب على أبيه نوح يريد قتله فوثب عليه سام فعلا هامته بيده وصده عنه، فدعا نوح (عليه السلام) ان ينزل عليه الأمان من ذريته وان يجعل بين حام وذريته العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. واحتجوا بأن القرابين لها منذ قرب هابيل كانوا يشربون الخمر ويسقون القرابين منها وشرباها ووقفا يقربا منها، وان شبر وشبير ابني هارون (عليه السلام) قربا قربانا ثم سقياه الخمر وشراباها ووقفا يقربان، فنزلت النار عليهما وأحرقتهما لأن الخمر في بطونهما فقتلا بذلك. واحتجوا بقول الله عز وجل في الزبور على لسان داود (عليه السلام) خمرا مريئا، دلنا تريا مفصحا أثر فسمي لحما لنا قلب ترياشا حسر خمرا


 

[ 110 ]

حسرا حرابا. قال داود (عليه السلام: معنى خمرة هي الخمر، هي شقيق لنا قلب ترياشا ابن آدم، ويسقون القرابين منها وإنها شربت بعهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاتخذوا الزي والمزفت الى سكرة ابي بكر فقال المسلمون لم تنهانا عن شربها يا رسول الله أنزل فيها أمر من عند الله فنعمل به ؟ فانزل الله (عز وجل): (إنما الخمر والميسر والأنصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) فقال المسلمون إنما امرنا بالاجتناب عنها ولم تحرم علينا فانزل الله تبارك وتعالى: (إنما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل انتم منتهون). فقالوا: أمرنا أن ننتهي ولم تحرم علينا فانزل الله عز وجل: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما اكبر من نفعهما) فقال المسلمون: فيه منافع للناس وان كان الإثم اكبر من المنافع ولم يحرم شربها علينا فانزل الله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق) فصح تحريم الخمر من قولهم ان الإثم اسم م اسماء الخمر ويستشهد بما تقدم من قول امرئ القيس ابن حجر الكندي حيث يقول: شربت الإثم حتى زال عقلي * كذاك الإثم يذهب بالعقول ومما عني به السيد ابن محمد الحميري في الخمرة يقول: لولا عتيق وشؤم سكرته * كانت حلالا كسائغ العسل وفي قصيدة اخرى يقول: كانت حلالا لساكن الزمن. وله في لقاء امير المؤمنين (عليه السلام) وحمله له إلى مسجد قبا وخبره مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخطابه له يقول: لما لقاه أبو الفصيل بمشهد * فخلا به وقرينه لم يعلم


 

[ 111 ]

فتناشدوا في نقضه العهد الذي * اخذ النبي عليه غير تكتم لتسلمن الى الوصي امامة * وامارة صارت له من آدم قال الغوي فأين لي ذو خبرة * ادري ويشهد بالذي قد تزعم قال الوصي هل لك عني مخبر * عن النبي فقال آه حرم اين النبي وكيف لي بمغيب * بين الجنادل في ضريح مظلم قال الوصي علي ان تلقاه في * نادي قبا في مسجد لم يهدم قال الغوي له أبعد مماته * قال الوصي نعم برغم مرغم فأتى به فإذا النبي بمحضر * حي يحاوره بغير تجمجم أنسيت ويلك يا عتيق وكبه * لجبينه للأرض صفة النادم قال النبي له عتيق ردها * ويلك تنجو من جريرة ظالم قال الشقي نعم ارد ظلامة * لعلي ذي الهادي بغير تذمم وله في هذا المعنى قصيدة اخرى: حتى لقاه أبو الفصيل بجانب * فخلا به وقرينه لم يشعر وعنه بهذا الاسناد عن جابر بن عبد الله الانصاري عن سلمان الفارسي (عليهما السلام) قال: دخل أبو بكر وعمر وعثمان على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا يا رسول الله ما لك تفضل عليا علينا في كل الأفعال والأشياء ولا يرى لنا معه فضلا قال لهم: ما أنا فضلته بل الله فضله، فقالوا: وما الدليل على ذلك ؟ فقال (عليه السلام): إذا لم تقبلوا مني فليس شئ عندكم أصدق من أهل الكهف حتى تسلموا عليهم وانا احملكم وعليا واجعل سلمانا شاهدا عليكم فمن احيى الله اصحاب الكهف له واجابوه كان الأفضل. قالوا رضينا يا رسول الله، فأمر رسول الله أن يبسط بساطا له، ودعا بعلي فأجلسه في البساط وأجلس كل واحد منهم قرن قال سلمان: وأجلسني القرنة الرابعة وقال: يا ريح احمليهم الى الصحاب الكهف ورديهم


 

[ 112 ]

إلي فدخلت الريح وسارت بنا فإذا نحن في كهف عظيم فحطت عليه. قال أمير المؤمنين يا سلمان هذا الكهف والرقيم فقل للقوم: يتقدمون أو اتقدم ؟ فقالوا: نحن نتقدم فقام كل واحد منهم صلى ودعى وقال: السلام عليكم يا أصحاب الكهف فلم يجبهم أحد، فقام بعدهم امير المؤمنين صلى ركعتين ودعا بدعوات خفيات فصاح الكهف وصاح القوم من داخله بالتلبية فقال امير المؤمنين (عليه السلام): السلام عليكم ايها الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى. فقالوا: وعليك السلام يا أخا رسول الله ووصيه، لقد اخذ الله العهد علينا بعد ايماننا بالله وبرسوله محمد، ولك يا أمير المؤمنين بالولاية الى يوم الدين، قال فسقط القوم لوجوههم وقالوا يا ابا عبد الله ردنا، فقلت: وما ذلك الي، فقالوا: يا ابا الحسن ردنا فقال (عليه السلام): يا ريح رديهم الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فحملتنا فإذا نحن بين يديه، فقص عليهم رسول الله القصة كما جرت فقال: حبيبي جبريل اخبرني ان عليا فضله الله عليكم. وعنه عن يعقوب بن بشر عن زيد بن عامر الطاطري عن زيد بن شهاب الازدي عن زيد بن كثير اللخمي عن ابي سمينة محمد بن علي عن ابي بصير عن مولانا الصادق (عليه السلام) قال: لما اظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فضل امير المؤمنين كان المنافقون يتخافتون بذلك ويسترونه خوفا من رسول الله الى ان خطب اكابر قريش فاطمة، وبذلوا في تزويجها الرغائب، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يزوج احدا منهم حتى خطبها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي ما خطبتها إلا والله زوجك إياها في السماء لأن الله وعد ذلك فيك وفي ابنتي فاطمة فقام إليه أبو أيوب خالد بن زيد الانصاري وقال: يا رسول الله وقد زوج الله عليا في السماء بفاطمة (عليها


 

[ 113 ]

السلام) ؟ فقال له (عليه السلام): نعم يا ابن أيوب أمر الله الجنة ان تتزخرف وشجرة طوبى أن تنشر أغصانها في السبع سماوات الى حملة العرش وان تحمل بأغصانها درا وياقوتا ولؤلؤا ومرجانا وزبرجدا وزمردا أصكاكا مخطوطة بالنور، هذا ما كان من الله للملائكة وحملة عرشه وسكان السماوات كرامة لحبيبة وابنته فاطمة ووصيه علي وأمر لجبريل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل واللوح المحفوظ والقلم ونون، وهي مخازن وحي الله وتنزيله على انبيائه ورسله وان يقفوا في السماء الرابعة وان يخطب جبريل بأمر الله، ويزوج ميكائيل عن الله، ويشهد جميع الملائكة وانتثرت طوبى من تحت العرش الى السماء الدنيا فالتقط الملائكة ذلك النثارة الصكاك فهو عندهم مذخور. قال أبو أيوب: يا رسول الله ما كان نحلتها ؟ قال يا أبا أيوب شطر الجنة وخمس الدنيا وما فيها والنيل والفرات وسيحان وجيحان والخمس من الغنائم كل ذلك لفاطمة (عليها السلام) نحلة من الله وحبا لا يحل لأحد أن يظلمها فيه بورقة. قال أبو أيوب: بخ بخ يا رسول الله هذا من الشرف العظيم أقر الله بها عينيك وعيوننا يا رسول الله فقام حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قائما على قديمه وقال: يا رسول الله تزوجها في يوم الأربعين من تزويجها في السماء، قال حذيفة بن اليمان: ما نحلتها في الأرض يا رسول الله ؟ قال: يا ابا عبد الله نحلتها ما تكون سنة من نساء امتي من آمن منهن واتقى قال: وكم هو يا رسول الله ؟ قال خمسمائة درهم، قال حذيفة: يا رسول الله لا يزيد عليها في نساء الأمة فإن بيوتات العرب تعظم النحلة وتتنافس فيها تأديبا من الله ورحمة منه في ابنتي واخي. قال حذيفة بن اليمان يا رسول الله فمن لم يبلغ الخمسمائة درهم ؟ قال له (عليه السلام) تكون النحلة ما تراضيا عليه قال حذيفة: يا رسول الله


 

[ 114 ]

فإن احب احد من الأمة الزيادة على الخمسمائة درهم ؟ فقال له (عليه السلام) يجعل ما يعطيها من عرض الدنيا برا ولا يزيد على الخمسمائة درهم، فقال حذيفة: صدقت يا رسول الله فيما بلغتنا اياه عن الله عز وجل في قوله عز من قائل: (وان آتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد افضى بعضكم الى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا). قال النبي (صلى الله عليه وآله): ما وجب لهن ذلك الا عند الإفضاء اليهن، ألا ترى يا أبا عبد الله حذيفة، وتسمع قوله عز وجل: (وان طلقتموهن من قبل ان تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفو أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم ان الله كان بما تعلمون بصير) فأعلم عز ذكره انه إذا لم يفض اليهن ولم يمسسن أن لا تأخذوا شيئا. قال فلما تمت الأربعون يوما أمر الله رسوله (صلى الله عليه وآله) أن يزوجها من علي (عليه السلام) فزوجت في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحضر جميع المسلمين، وفيهم حاسد لعلي وشامت بفاطمة، وانها تزوجت من فقير ورضا مسرورا رضاء الله ورسوله، فلما اجتمع الناس وتكاتفوا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد اخبرتكم معاشر الناس ما اكرمني به الله واكرم به اخي عليا وابنتي فاطمة (عليهما السلام)، وتزويجها في السماء وقد أمرني الله أن ازوجه في الأرض وأن اجعل له نحلتها خمسمائة درهم ثم تكون سنة في امتي من أغناهم، والمقل منهم ما تراضيا عليه. ثم قال: قم يا علي فديتك فاخطب لنفسك فان هذا يوم كرامتك عند الله وعند رسوله. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الحمد لله حمدا لأنعمه وأياديه،


 

[ 115 ]

ولا إله إلا الله شهادة تبلغه وترضيه، وصلى الله على محمد صلاة تزلفه وتحظيه، الا وان النكاح مما امر الله به ورضيه، ومجلسنا هذا مما قدره الله وقضى فيه، هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد زوجني ابنته فاطمة وصداقها علي خمسمائة درهم فاسألوا رسول الله، واشهدوا علي. فقال رسول الله: ما زوجتك حتى زوجك الله في السماء منذ أربعين يوما، فاشهدوا رحمكم الله فخرج مولى لأم سلمة - زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) - فنثر سكرا ولوزا ونثر الناس من كل جانب، وانصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويده في يد أمير المؤمنين (عليهما السلام) حتى دخل الى مشرفة ام سلمة، وهي مشرفة عالية البناء كثيرة الأبواب والطاقات وانصرف الناس إلى منازلهم، وارتفع في دور الأنصار نقر الدفوف من مشارف رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأصوات بحمد الله وشكره والثناء عليه، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتمرات كانت له في قعب وفضلة سمن عربي فطرحه في قصعة كانت له وفتها بيده اليمنى وقال: قدموا يا أنصار الصحاف والقصاع، واحملوا الى سائر اهل المدينة وأبواب المهاجرين والانصار، ثم سائر المسلمين واسرعوا في المدينة للسابلة ما يأكلون ويتزودون فلم تزل يده المباركة فيه تنقل من قصعة الى الصحاف من ذلك الخبز وهي تمتلئ وتفيض حتى امتلأ منهما منازل المسلمين في المدينة وأسرعت في الطرقات فأكلت وتزودت السابلة وسائر الناس وقصعته (عليه السلام) كهيئتها بحالها. وتكلم المنافقون والحساد لأمير المؤمنين (عليه السلام) وقالوا لنسائهم: ألقين الى فاطمة ما تسمعن منا فبلغنها وقلن لها خطبك اكابر الناس أغنياءهم وبذلوا لك الرغائب، فزوجك رسول الله (صلى الله عليه وآله) من فقير قريش وليس له خمسمائة درهم الا ثمن درعه التي وهبها له رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن لا يقدر يملك من الدنيا اكثر من فراش أديم، ومضوغة محشوة ليف النخيل، وأصواف الغنم.


 

[ 116 ]

فألقت نساؤهم إلى فاطمة (عليها السلام) هذا القول وزدن منه وحكت ام سلمة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فخرج الى مسجده واجتمع الناس من حوله فقال (عليه السلام): ما بال قوم منكم يؤذون الله ورسوله وعليا وفاطمة ؟ فقال الناس: لعن الله من يؤذيك يا رسول الله، ومن لم يرضى ما رضيت، ويسخط ما سخطت. فقال لهم: ليبلغني عن قوم منكم انهم يقولون اني زوجت فاطمة من أفقر قريش وقد علم كثير من الناس ان الله تعالى أمر جبريل (عليه السلام) ان يعرض علي خزائن الأرض وكنوزها وما فيها من تبر ولجين وجوهر، واتاني مفاتيح الدنيا وكشف لي عن ذلك حتى رأيت من خزائن الأرض وكنوزها وجبالها وبحارها وانهارها، فقلت له وأخى علي، يرى ما رأيت ويشهد ما شهدت، فقال حبيبي جبريل: نعم، فقلت: ما عند الله من الملك الذي لا يحول ولا يزول في الآخرة التي هي دار القرار أحب الي من هذه الدنيا الفانية فكيف اكون واخي عليا وابنتي فاطمة ؟ الله بيني وبين المنافقين من امتى، فانزل الله عز وجل: (لقد كفر الذين قالوا ان الله فقير ونحن أغنياء) الى آخر القصص. وعنه بهذا الإسناد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما كثر قول المنافقين وحساد أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في ما يظهره رسول الله (صلى الله عليه وآله) من فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) ويبصر الناس ويدلهم ويأمرهم بطاعته ويأخذ البيعة له من كبرائهم ومن لا يؤمن غدره، ويأمرهم بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين، ويقول لهم: انه وصيي، وخليفتي، وقاضي ديني، ومنجز وعدي، والحجة على خلقه من بعدي، من اطاعه سعد ومن خالفه ضل وشقي، قال المنافقون: لقد ضل محمد في ابن عمه علي وغوى وجن، والله ما فتنه فيه ولا حببه إليه إلا قتل الشجعان والفرسان يوم بدر وغيره من قريش وسائر العرب واليهود، وان


 

[ 117 ]

كل ما يأتينا به ويظهره في علي من هواه وكل ذلك يبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى اجتع التسعة الرهط المفسدون في الأرض في دار الاقرع بن حابس التميمي وكان مسكنها في وقت صهيب الرومي، وهم التسعة الذين هم أعداء أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كان عددهم عشرة، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد وسعيد عبد الرحمن بن عوف الزهري وخالد بن الوليد وابو عبيدة بن الجراح، فقالوا: قد اكثر رسول الله في أمر علي وزاد فيه حتى لو امكنه أن يقول لنا اعبدوه لقال، قال سعد ابن أبي وقاص: ليت محمدا أتانا فيه بآية من السماء كما أتاه في نفسه من الآيات من شق القمر وغيره، فباتوا ليلتهم تلك، فنزل نجم من السماء حتى صار على ذروة المدينة حتى دخل ضوءه في البيوت وفي الآبار والمغارات وفي المواضع المظلمة من منازل الناس فذعر أهل المدينة ذعرا شديدا وخرجوا وهم لا يعلمون ذلك النجم على دار من نزل، ولا أين هو معلق الا انهم يظنونه على بعض منازل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسمع رسول الله ذلك الضجيج والناس فخرج الى المسجد وصاح بالناس: ما الذي ازعجكم واخافكم ؟ من هذا النجم النازل على دار أخي علي بن أبي طالب ؟ فقالوا: نعم. فقال: فلا يقول منافقوكم التسعة الذين اجتمعوا في أمسكم في دار صهيب الرومي فقالوا في وفي أخي علي ما قالوا، وقال قائل: ليت محمدا، أتانا بآية من السماء في علي كما أتانا بها في نفسه من شق القمر وغيره فأنزل الله عز وجل هذا النجم على ذروة دار أخي علي آية له خصه الله بها فلم يزل ذلك النجم معلقا على مشربة امير المؤمنين (صلوات الله عليه) ومعه في المسجد الى ان غاب كل نجم من السماء وهذا النجم معلق. فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): هذا حبيبي جبريل قد انزل علي في هذا النجم وحيا وهو ما تسمعونه، ثم قرأ (عليه السلام): (بسم الله الرحمن الرحيم والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما


 

[ 118 ]

غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى) ثم ارتفع النجم وهم ينظرون إليه، والشمس قد بزغت وعاب كل نجم في السماء. فقال بعض المنافقين: لو شاء محمد لأمر هذه الشمس فنادت باسم علي فقالت: هذا ربكم فاعبدوه، فهبط جبريل (عليه السلام) فخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما قالوا، وكان هذا في ليلة الخميس وصبيحته، فأقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بوجهه الكريم على الله وعلى الناس وقال: استعيدوا عليا من منزله فاستعادوا إليه (عليه السلام)، فقال: يا ابا الحسن ان قوما من منافقي امتي ما قنعوا بآية النجم حتى قالوا: لو شاء محمد لأمر الشمس ان تسلم على علي وتقول هذا ربكم فاعبدوه، فبكر يا علي بعد صلاتك الفجر الى بقيع الغرقد وقف نحو مطلع الشمس فإذا بزغت الشمس فادع بدعوات نلتفك اياها وقل للشمس: السلام عليك يا خلق الله الجديد، واسمع ما تقول وما ترد عليك، وانصرف الى البقيع، فسمع الناس قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسمع التسعة الرهط المفسدون في الأرض فقال بعضهم لبعض: لا تزالون تغرون محمدا في ابن عمه علي على كل شئ، وليس قال مثلما قاله في هذا اليوم، فقال اثنان منهما، واقسما بالله جهد ايمانهما انهما لا بد أن يحضرا الى البقيع حتى ينظرا ويسمعا ما يكون من علي والشمس، فلما صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلاة الفجر وأمير المؤمنين (عليه السلام) في الصلاة معه أقبل عليه، وقال: قم يا أبا الحسن الى ما أمرك الله به ورسوله فأت البقيع حتى تقول للشمس ما قلت لك فأسر إليه سرا كان فيه الدعوات التي علمه اياها فخرج امير المؤمنين (عليه السلام) يسعى الى البقيع وتلاه الرجلان، وتلاهما آخرون معهم حتى انتهوا الى البقيع فأخفيا اشخاصهما بين تلك القبور ووقف امير المؤمنين (عليه السلام) بجانب البقيع حتى بزغت الشمس فهمهم كما علمه النبي


 

[ 119 ]

بهمهمة لم يعرفوها فقالوا: هذه الهمهمة مما علمه محمد من سحره، وقال: السلام عليك يا أول خلق الله الجديد، فأنطقها الله بلسان عربي مبين، وقالت له: وعليك السلام يا أخا رسول الله ووصيه أشهد انك عبد الله وأخو رسول الله حقا فأرعد القوم واختلطت عقولهم ورجعوا الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسودة وجوههم تفيض أنفسهم غيظا، فقالوا: يا رسول الله ما هذه العجائب التي لم تسمع من النبيين ولا من المرسلين ولا في الأمم الغابرة القديمة ليت تقول: ان عليا ليس بشرا وهو ربكم فاعبدوه، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمحضر علي: ما رأيتم ؟ فقالوا: ما نقول ونسمع ونشهد بما قال علي للشمس وما قالت له الشمس، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا بل تقولون ما قال علي للشمس فقالوا: قال علي للشمس: السلام عليك يا اول خلق الله الجديد، بعد ان همهم همهمة تزلزل منها البقيع فأجابته الشمس: وعليك السلام يا أخا رسول الله ووصيه اشهد انك عبد الله واخو رسول الله حقا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الحمد لله الذي خصنا بما تجهلون وأعطانا ما لا تعلمون وقد علمتم أني واخيت عليا دونكم واشهدتكم انه وصيي فما انكرتم عساكم تقولون: لم قالت له الشمس أشهد أنك أنت الأول والآخر والظاهر والباطن قالوا: يا رسول الله انك اخبرتنا أن الله هو الأول والآخرو والضاهر والباطن في كتابه العزيز المنزل عليك، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ويحكم وأني لكم بعلم ما قالت الشمس ؟ أما قولها: إنك الأول فصدقت أنه أول من أمن بالله ورسوله ممن دعوتهم من الرجال إلى الإيمان بالله وخديجة في النساء، وأما قولها له: الآخر فهو آخر الأوصياء وأنا آخر النبيين والرسل، وقولها: الظاهر فهو الذي ظهر على كل ما اعطاني الله من علمه فما علمه معي غيره ولا يعلمه بعدي سواه ومن ارتضاه الله لبشريته من صفوته، وأما قولها:


 

[ 120 ]

الباطن فهو والله باطن علم الأولين والآخرين وسائر الكتب المنزلة على النبيين والمرسلين وما زادني الله وخصني الله من علم وما تعلمونه. واما قولها له: يا من انت بكل شئ عليم فإن عليا يعلم علم المنايا والقضايا وفصل الخطاب فماذا انكرتم، فقالوا بأجمعهم نحن نستغفر الله يا رسول الله لو علمنا ما تعلم لسقط الاعتذار، والفصل لك يا رسول الله ولعلي فاستغفر لنا، فانزل الله تبارك وتعالى: (سواء عليهم استغفرت لهم ام لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ان الله لا يهدي القوم الفاسقين) وهذه في سورة المنافقون. فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن محمد بن منير القمي عن زيد بن صعصعة التميمي عن عمار بن عيسى عن علي بن ابي حمزة عن ابي بصير عن ابي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام)، قال قلت: يا سيدي كم من مرة ردت الشمس على جدك امير المؤمنين قال: يا أبا بصير ردت له مرة عندنا بالمدينة، ومرتين عندكم بالعراق. فأما التي عندنا بالمدينة فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى العصر وخرج الى منفسح في غربي المدينة، وامير المؤمنين (صلوات الله عليه) يتبعه ولم يكن صلى العصر فلحق رسول الله (صلى الله عليه وآله) النعاس فوضع رأسه في حجر أمير المؤمنين (عليه السلام) ورقد فلم ينتبه من رقدته إلا وقد تورات الشمس بالحجاب فلما انتبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال أمير المؤمنين: يا رسول الله ما صليت ولا ايقظتك من رقدتك اجلالا واعظاما واشفاقا عليك يا رسول الله فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم انك تعلم ان عليا عظم نبيك واشفق عليه ان يوقظه من رقدته حتى غربت الشمس ولم يصل العصر فكرم نبيك ووصيك برد الشمس عليه حتى يصلي العصر فأقبلت من مغربها راجعة لها زجل بالتسبيح والتقديس، حتى صارت في منزلة الشمس لوقت العصر فصلى امير المؤمنين (عليه السلام) ورسول الله (صلى الله عليه


 

[ 121 ]

وآله) جميع الناس ينظرون فلما قضى صلاته هوت الى مغربها كالبرق الخاطف أو كالكوكب المنقض فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبني في موضع صلاة العصر التي صلاها أمير المؤمنين مسجدا يصلى فيه ويزار. قال السيد الحسين بن حمدان (رضي الله عنه): انا رأيت هذا المسجد في غربي المدينة في ارض السهلة سنة ثلاث وسبعين ومأتين من الهجرة وصليت به مع جمع كثير من الناس والمسجد يجدد أبدا في كل زمان ويعرف بموضع ردة الشمس لعلي امير المؤمنين (رضي الله عنه) وهو مشهد معروف. وأما الأولى من المرتين في العراق فإن امير المؤمنين سار بعسكره من النخلية مغربا حتى اتى نهر كربلاء فمال الى بقعة يتضوع منها المسك وقد جن عليه الليل مظلما معتكرا ومعه نفر من أصحابه وهم محمد بن أبي بكر والحارث الاعور الهمداني وقيس بن عبادة ومالك الأشتر وإبراهيم بن الحسن الازدي وهاشم المري، قال ابن عبيد الله بن يزيد: فلما وقف في البقعة وترجل النفر معه وصلى، وقال لهم: صلوا كما صليت، ولكم علي علم هذه البقعة فقالوا: يا أمير المؤمنين لك منن علينا بمعرفتها، فقال (عليه السلام) هذه والله الربوة ذات قرار ومعين، التي ولد فيها عيسى (عليه السلام)، وفي موضع الدالي من ضفة الفرات غسلت مريم، واغتسلت وهي البقعة المباركة التي نادى الله موسى من الشجرة، وهي محط ركاب من هنأ الله به جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعزاه، فبكوا وقالوا: يا أمير المؤمنين هو سيدنا أبو عبد الله الحسين ؟ قال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام): اخفضوا من أصواتكم فإنه واخوانه في هذا السواد وما أحب أن يسمعوا فيحزنوا على الحسين، على أن الحسين قد علم وفهم ذلك كله، وأخبره به جده رسول الله (صلى الله عليه وآله).


 

[ 122 ]

ثم قبض قبضة من نثر دوحات كأنهن قضبان اللجين، فاشتمها ثم ردها في ايدينا، وقال: تحيوا بها فأخذناها فإذا هي بعر غزلان فقال لنا: لا تظنوا أنها من غزلان الدنيا، بل هي من غزلان الجنة، تعمر هذه البقعة وتؤنسها وتنثر فيها الطيب. قال قيس بن سعد بن عبادة: كيف لنا بأن نرسم هذه البقعة بأبصارنا، وهذا الليل بظلمته يمنعنا من ذلك ؟ فقال لهم: هذا عسكرنا حائر لا يهتدي مسيره، فقال له محمد ابن أبي بكر يا مولانا ومولى كل مؤمن ومؤمنة، فأين فضلك الكبير لا يدركنا ؟ فانفرد أمير المؤمنين (عليه السلام) في جانب من البقعة، وصلى ركعتين ودعا بدعوات فإذا الشمس قد رجعت من مغربها فوقفت في كبد السماء فهلل العسكر وكبروا وخر اكثرهم سجدا لله، ونظروا الى البقعة وعرفوها وعلموا أين هي من الفرات وهي كربلاء ثم سار العسكر على الجادة وغربت الشمس. وأما الثالثة فإن أمير المؤمنين (عليه السلام) انكفأ من النهروان بعد قتله الخوارج حتى قرب من أرض بابل وقد وجبت صلاة العصر في أرض بابل، فلما وجبت أقبل الناس من العسكر وهم سائرون يقولون: يا أمير المؤمنين، الصلاة ليلا، ثم يجري في ارض قد خسف الله فيها بطشه وهي ارض لا يصلي لها نبي ولا وصي، فأقبل الناس يصلون الى أن غربت الشمس وقد صلى اهل المعسكر الا أمير المؤمنين وجويرية بن مسهر يقول: والله لأقلدن صلاتي لأمير المؤمنين فإني اصلها وقد صلاها سائر العسكر، ولي بأمير المؤمنين أسوة، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ما صليت ؟ فقال: لا يا امير المؤمنين ما صليت، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): أذن وأقم حتى نصلي العصر، فصلى أمير المؤمنين وهو منفرد من العسكر ودعا بدعوات من الانجيل لم يسمع احد منها كلمة الا جويرية فإنه سمعه يقول: اللهم اني اسألك بإسمك الأعظم ودعا بالكلمات


 

[ 123 ]

الانجيلية، فاقبلت الشمس بعد غروبها راجعة لها ضجيج وزجل بالتسبيح والتقديس حتى صارت في درجة وقت العصر فصلى وجويرية معه وندم اهل المعسكر في صلاتهم دونه. قال جويرية: يا أمير المؤمنين لم أعلم أن الشمس ترد لصلاتك، فقال أمير المؤمنين منه السلام: لا تثريب عليك اليوم يا جويرية فقال قوم من العسكر: فقد صلينا يا أمير المؤمنين في ارض بابل، فقال لهم أمير المؤمنين: انتم المغرورون، إذ قلتم ما لا تعلمون واعلموا رحمكم الله ان لكل شئ حرما يكون اربعين ذراعا الا محرم مكة فإنه اثنا عشر ميلا على يمين الكعبة اربعة وثمانية بيسارها، وكذلك امركم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان تباشروا في القبلة وإذا صليتم تباينوا فانكم إذا باشرتم في وسط القبلة تباينتم خرجتم عنها وانما صليتم في حرم الفرات، ثم رجعت الشمس بعينها منقضة كالكوكب المنقض أو الشهاب الثاقب فلما توارت بالحجاب امر العسكر الى غربي الفرات فعبروا ثلاث ساعات من الليل وعسكروا بقرية سور العقيق وأمروا في الأذان والاقامة فصلى بالناس العشائين وسار من ليلته حتى ورد الكوفة. وروي انه لم ترد الشمس لأحد من خلق الله تعالى الا ليوشع بن نون وصي موسى (عليه السلام) ولأمير المؤمنين (عليه السلام) وكان آخر قتالهم له يوم الجمعة الى أن غربت الشمس وقد ظهر على المنافقين اصحاب يوشع (عليه السلام)، وقال قاتلوهم فقد غلبتموهم بإذن الله فقالوا: لا نقاتل وقد دخل السبت فانفرد يوشع (عليه السلام) فتلا اسفارا من صحف إبراهيم (عليه السلام) ومن التوراة، وسأل الله عز وجل برد الشمس عليهم حتى لا يحتج المارقون، فقال يوشع (عليه السلام): قاتلوا، قالوا: لا نقاتل لان السبت قد دخل، قال: هذا لا من السبت ولا من الجمعة، وإنما سألت الله عز وجل رد الشمس لتظهروا على أعدائكم ولا يظهروا فقاتلوهم فغلبوهم وملكوهم وغربت الشمس وكانت صفراء ابنة


 

[ 124 ]

شعيب النبي (عليه السلام) زوجة موسى بن عمران (عليه السلام) تقاتل يوشع بن نون (عليه السلام) مع المارقين من بني اسرائيل على زارفة كما قاتلت عائشة ابنة أبي بكر زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصيه أمير المؤمنين (عليه السلام) مع المارقين من امته على جمل. وقد ردت ليوشع مرة، وقد ردت لأمير المؤمنين ثلاث مرات وسلمت عليه بالبقيع. وهذا نبي الله سليمان بن داود (عليهما السلام) أمر بأن تعرض عليه خيله حتى اعجب بها وفتنته الى ان غربت الشمس، وفاتته صلاة العصر، فذكر انه لم يصل صلاة العصر فأمر برد خيلة فأمر بضرب سوقها واعناقها كفارة لما فوتته صلاة العصر ولم ترد الشمس له فصلى العصر، كما ردت لامير المؤمنين (عليه السلام) الفضل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لأن الفضل للنبيين والمرسلين، ولأمير المؤمنين لأنه أفضل الوصيين والأئمة الراشدين. وقد قص الله خبر سليمان (عليه السلام) فقال تعالى: (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد فقال اني احببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والاعناق) ولم يخبر الا به ولم يخبر عن نفسه (عليه السلام) ولا اخبر ان الشمس ردت عليه فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن محمد بن جابر بن عبد الله بن خالد الخزاعى، عن محمد بن جعفر الطوسي، عن محمد بن صدقة العنبري عن محمد بن سنان الزاهري، عن الحسن بن جهم عن ابي الصامت، عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: بينما أمير المؤمنين (عليه السلام) متجهز الى معاوية ويحرض الناس على قتاله اختصم إليه رجلان فعجل احدهما بالكلام وزاد فيه فالتفت إليه امير المؤمنين وقال له: اخسأ يا


 

[ 125 ]

كلب فإذا رأسه رأس كلب فبهت من كان حوله، واقبل الرجل باصبعه المسبحة يتضرع الى امير المؤمنين ويسأله الاقالة فنظر إليه وحرك شفتيه فعاد خلقا سويا فوثب بعض اصحابه فقالوا له: يا أمير المؤمنين هذه القدرة لك اريتنا اياها وانت تجهزنا الى قتال معاوية، فما لك لا تكفينا ببعض ما اعطاك الله من هذه القدرة ؟ فأطرق قليلا ورفع رأسه إليهم فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو شئت لضربت برجلي هذه القصيرة في طول هذه الفيافي والفلوات والجبال والاودية حتى اضرب صدر معاوية على سريره فأقبله على أم رأسه لفعلت، ولو أقسمت على الله عز وجل أن آتي به قبل أن أقوم من مجلسي هذا ومن قبل ان يرتد الى احدكم طرفه لفعلت ولكنا كما وصف الله عز من قائل: (عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعلمون) فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن ابي الحسن بن يحيى الفارسي عن عقيل بن يحيى الحسيني عن زيد بن عمر بن كثير المدني عن جعفر بن محمد الحلبي عن حمران بن اعين عن ميثم التمار قال: خطب بنا أمير المؤمنين (عليه السلام) في جامع الكوفة فاطال خطبته وعجب الناس من طولها وحسن وعظها وترغيبها وترهيبها إذ دخل نذير من ناحية الانبار وهو مستغيث يقول: الله الله يا أمير المؤمنين في رعيتك وشيعتك، هذه خيل معاوية قد شنت علينا الغارات في سواد الفرات، ما بين هيت والانبار، فقطع أمير المؤمنين الخطبة، وقال: ويحك ان خيل معاوية قد دخلت الدسكرة التي تلي جدران الأنبار فقتلوا فيها سبع نسوة وسبعة من الاطفال ذكرانا، وشهروهم ووطئوهم بحوافر خيلهم، وقالوا هذه مراغمة لأبي تراب. فقام إبراهيم بن الحسن الازدي بين يدي المنبر فقال: " يا أمير المؤمنين هذه القدرة التي رأيت بها وأنت على منبرك وفي دارك، وخيل معاوية ابن آكلة الأكباد فعل بشيعتك ما فعل " ويعلم بها هذا النذير، ما بالها تقصر عن معاوية ؟


 

[ 126 ]

فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ويحك يا إبراهيم ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة فصاح الناس في جوانب المسجد: يا أمير المؤمنين والى متى يهلك من هلك، وشيعتك تهلك ؟ فقال لهم (عليه السلام): ليقضي الله امرا كان مفعولا. فصاح زيد بن كثير المرادي، فقال يا أمير المؤمنين تقول لنا بالأمس وانت متجهز الى معاوية، وتحرضنا على قتاله ويحتكم الرجلان في البغل، فيعجل احدهما عليك في الكلام فتجعل رأسه رأس كلب، ويستجيرك فترده بشرا سويا، ونقول لك ما بال هذه القدرة لا تبلغ معاوية فتكفينا شره، فتقول لنا: وفالق الحبة وبارئ النسمة، لو شئت ان أضرب برجلي هذه القصيرة صدر معاوية فأقلبه على أم رأسه لفعلت، فما بالك اليوم لا تفعل ما تريد الا ان يضعف يقيننا فنشك فيك فندخل النار ؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لأفعلن ذلك ولأعجلن على ابن هند فمد رجله المباركة على منبره فخرجت من أبواب المسجد، وردها الى فخذه، وقال معاشر الناس افهموا تاريخ الوقت وأعلموه فلقد ضربت برجلي هذه في هذه الساعة صدر معاوية فألقيته على أم رأسه فظن أنه قد هبط به فقال: يا أمير المؤمنين أين النظرة، فرددت رجلي عنه، فتوقع الناس وورد الخبر من الشام بتاريخ تلك الساعة بعينها من ذلك اليوم بعينه ان رجلا جاءت من نحو ابواب كندة ممدودة متصلة قد دخلت من ابواب معاوية والناس ينظرون حتى ضربت صدر معاوية فاقلبته عن سريره على ام رأسه فصاح يا أمير المؤمنين حقا فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن أبي الحسن محمد بن يحيى الفارسي عن جعفر بن حباب عن محمد بن علي الآدمي عن الحسن بن محبوب عن مالك بن عطية عن ابي حمزة الثمالي عن ابي اسحاق القرشي قال دخلت المسجد الأعظم بالكوفة وإذا انا بشيخ أبيض ا